نوح إبراهيم.. حين غنّت فلسطين بصوت شاعرها
شريف الهركلي
نوح إبراهيم.. حين غنّت فلسطين بصوت شاعرها
الكوفية «لا تظن أن الأمة تنسى أبطالها»... كلمات تختصر حكاية شاعر لم يكن صوته مجرد غناء، بل كان موقفاً وطنياً في زمن كانت فيه فلسطين تواجه الانتداب البريطاني، وكانت الكلمة جزءاً من معركة البقاء.
إنه نوح إبراهيم، الشاعر والمغني والملحن والمناضل الفلسطيني، المولود في حيفا عام 1913، والذي عُرف بـشاعر ثورة 1936.
نشأ نوح إبراهيم في ظروف قاسية، وفقد والده في سن مبكرة، واضطر إلى ترك الدراسة والعمل في المطابع. لكنه وجد في الشعر والزجل الشعبي طريقاً إلى الناس، فاختار لغة بسيطة قريبة من وجدانهم، وحوّل قصائده إلى أهازيج تتردد في الشوارع والساحات.
ارتبط بالشيخ عز الدين القسام وتأثر بفكره، ومع اندلاع الثورة جعل من صوته وكلماته جزءاً من المشهد النضالي الفلسطيني. لم يكن يكتب عن الثورة من بعيد، بل كان يعيشها ويعبّر عنها، حتى أصبحت أغانيه جزءاً من الذاكرة الشعبية.
ومن أشهر أعماله «يا خسارة يا عز الدين»، التي رثى فيها الشيخ القسام، و«دبّرها يا مستر دل» التي حملت سخرية سياسية من سلطات الانتداب البريطاني. كما كتب في السجن، ومن أعماله «السيد بايلي» المرتبطة بالأسرى السياسيين في سجن عكا.
وتبرز أيضاً أغنية «الحطّة والعقال»، التي تحولت إلى صورة للهوية والانتماء. واليوم، حين نستعيدها، تبدو وكأنها تعاتب الفلسطينيين والعرب: ماذا بقي من روح أولئك الذين جعلوا من الأغنية موقفاً، ومن الهوية عنواناً، ومن فلسطين قضية لا تقبل النسيان؟
أما «من سجن عكا»، فقد بقيت من أشهر الأغاني الوطنية الفلسطينية، وخلدت أسماء الشهداء محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، لتؤكد أن الأغنية قادرة على حفظ أسماء الشهداء حين يحاول الزمن إسقاطها من الذاكرة.
تعرض نوح إبراهيم للاعتقال والملاحقة، لكنه واصل طريقه حتى استشهد في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1938 في مواجهة مع القوات البريطانية في منطقة الجليل، وهو في الخامسة والعشرين تقريباً.
رحل الشاعر، لكن صوته لم يرحل.
فالفنان والشاعر قد يُدفن تحت التراب، ويفنى الجسد، لكن الروح لا تُدفن، والكلمة الصادقة لا يمحوها الموت. تبقى روحه تحلّق في سماء فلسطين، ويبقى صوته يرنّ في أزقتها وأروقتها، وتتوارثه الأجيال.
وبعد قرن من الثورة والنضال الفلسطيني، يبقى السؤال أكبر من نوح إبراهيم:
هل تستطيع حكومة اليمين الإسرائيلي اقتلاع شعبٍ حمل فلسطين في ذاكرته، وغنّاها في أغانيه، ودافع عنها بأرواحه؟
قد تُهدم البيوت، وقد يُقتلع الحجر، وقد يُهجّر الإنسان، لكن اقتلاع شعب من ذاكرته وهويته ليس أمراً سهلاً.
نوح إبراهيم دُفن جسده، لكن أغنيته بقيت. والشهداء رحلوا، لكن أسماءهم بقيت. وفلسطين قد تتألم، لكنها لا تنسى أبناءها ولا تنسى أرضها.
يموت الجسد... لكن الروح تحلّق، والكلمة تبقى، وفلسطين تحفظ صوت أبنائها.