نشر بتاريخ: 2026/08/19 ( آخر تحديث: 2026/08/19 الساعة: 13:50 )
توفيق أبو شومر

منتدى (كوهيلت) للأبحاث يحكم الكنيست!

نشر بتاريخ: 2026/08/19 (آخر تحديث: 2026/08/19 الساعة: 13:50)

حاولتُ أن أعثر على الحكومة العميقة التي تقود السياسة في إسرائيل، وقد وجدتُ بعض الإشارات التي قادتني لأحدد بعض أعضاء هذه الحكومة العميقة السرية، هذه الحكومة العميقة هي التي تتخذ قرارات الحرب والسلام، فهي الحكومة الفعلية في إسرائيل.

تتكون هذه الحكومة العميقة من مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية بشكل رئيس، مراكز الأبحاث بلا مبالغة هي القائد الفعلي الخفي لهذه السياسات، واظبت إسرائيل منذ تأسيسها على تأسيس مراكز الأبحاث المتخصصة، فقد أسست أول مركز للأبحاث الاستخبارية عام 1950، وهو مركز الأبحاث الاستخباراتية MMD وهو تابع لوزارة الخارجية، ظل هذا المركز يقدم نتائج أبحاثه للسياسيين في إسرائيل، كذلك أسست كل الجامعات الإسرائيلية مراكز أبحاث متخصصة، مثل جامعة تل أبيب التي أسست، معهد دراسات الأمن القومي INSS، كذلك أسست جامعة بار إيلان، مركز بيغن السادات، كذلك فإن الجامعة العبرية أسست، ترومان للدراسات والأبحاث، بالإضافة إلى مركز أبحاث جامعة، رايخمان ومراكز أبحاث جامعة حيفا، بالإضافة إلى أن مركز، دايان هو من أهم مراكز الأبحاث.

أما سبب رغبتي في الكتابة عن الحكومة العميقة في إسرائيل فيعود إلى أن كثيرين من متابعي الصفحات الرقمية، ممن اعتادوا أن يقيسوا مقدار سمو ورفعة كلماتهم المنشورة بعدد نقرات الإعجاب عليها، هؤلاء هم في الغالب يكرهون البحث في جوهر الموضوعات، ولا يحبون قراءة الكتب والأبحاث المحكمة، وتنطبق عليهم المقولة: «كتب على كل الذين لم يقرؤوا التاريخ أن يعيدوه بأخطائه وكوارثه مراتٍ عديدة»!

سمعتُ أحد السياسيين الفلسطينيين وهو ينتقد حديث أحد المحللين والباحثين الأكْفاء ويتهمه بالجهل والغباء، ويصفه بفيلسوف مُضلِّل، لأنه لم يكتفِ برصد ظلال الأحداث الصغيرة التي تعجب الجماهير، ولا ينشغل بقضايا الصفحات الرقمية، ومعارك صراع الدِّيَكة الحزبية في الفضائيات، اعترضتُ على تجريحه للباحث المجتهد وعلى اتهامه بأنه مصابٌ بعقدة المؤامرة، فهو ينسب كل الأفعال لحكومات عميقة سرية لا تظهر أسماؤهم في الإعلام، إن تهمة عقدة المؤامرة شائعة، تتردد على ألسنة كثيرين من محبي النقد التشريحي، هؤلاء الناقدون المستاؤون هم في الغالب الأعم ينتمون للدول الصغيرة والفقيرة، هم لا يزالون يؤمنون بسطوة الرئيس وولي الأمر والإمام والقائد الفذ والملك والرئيس!

هؤلاء لا يزالون يؤمنون بأن رؤساء حكومات الدول وحدهم قادرون على إرساء قواعد العدالة وترسيخ الديموقراطيات، قادرون أن يغيروا التاريخ ويشعلوا الحروب! هؤلاء أيضاً لا يؤمنون بأن عالم القائد الفرد الأوحد زعيم الأمة وإمامها وقائد مسيرتها الملهم الجبار لم يعد موجوداً في عالم الألفية الثالثة، ألفية التجارة والصناعة والذكاء الصناعي!

إن عالم الألفية الثالثة تقوده اليوم حكومات عميقة مكونة من أباطرة المال والكفاءات التكنولوجية، ومن مديري الصناعات العسكرية، ومن أصحاب العقول الفذة في الجامعات والمعاهد، هذه الحكومات العميقة هي التي تتخذ القرارات، وما الرؤساء سوى مقاولين ينفذون سياسات هذه الحكومات العميقة، إن أكثر دراسات وأبحاث مراكز الأبحاث في العالم تُعد أبحاثها السرية المتخصصة فقط للمسؤولين والرؤساء، وهي تستقطب الأذكياء المفكرين.

سأسلط الضوء في هذا المقال على مركز أبحاث أسس حديثاً، هو اليوم جزء من حكومة إسرائيل العميقة ولعله القائد الرئيس لسياسييها، لأن بعض أسراره نُشرت في الإعلام، فقد كشفت النائبة في الكنيست، كاتي شتريت عضو حزب الليكود عن واضعي مشروع قانون سلب سلطة المحكمة العليا واتباعها لقرارات الكنيست، قالت: «لم يَصُغ مشرعو الليكود هذا القانون، بل صاغه منتدى، كوهيلت»!

إن هذا المركز البحثي المهم يتحكم ويقود رئيس الحكومة ووزراءها، لأن فيه صفتين رئيستين، الصفة الأولى صفة دينية يمينية متطرفة، والصفة الثانية قانونية سياسية، فهو يتماثل تماماً مع طغيان سلطات التيار الديني الصهيوني في الحكومة الحالية، هذا المركز البحثي يُسمى منتدى (كوهيلت) Kohelet Policy Forum أُسِّسَ هذا المنتدى عام 2012 في حي غفعات شاؤول بالقدس برئاسة، البرفسور موشيه كوبل، وهو برفسور الرقميات في جامعة بار إيلان، وهو ليكودي مهاجر من أميركا في ثمانينيات القرن الماضي، وهو من أسرة حريدية، فهو إذاً يجمع الدين بالسياسة، يبلغ عدد أعضاء هذا المركز أكثر من 150 عضواً، من أبرز أعضائه، إبراهام ديسكن، وآفي بيل، وغيدي سابير، ومايكل سارير الخبير الاقتصادي في وزارة المالية، إن أبرز أهداف هذا المركز كما جاء في صفحته الرقمية: «الضغط على صانعي القرار لدعم القرارات اليمينية، وكذلك تعزيز الدولة اليهودية في إسرائيل بإقرار قوانين يهودية الدولة، وتشريع مبادئ السوق الحرة والاقتصاد الليبرالي، وتقليص سلطة قضاة المحكمة العليا والنائب العام، واتباعهم لقرارات الكنيست، وتعزيز هجرة اليهود لإسرائيل واستيعابهم»!

إن لهذا المنتدى علاقات وثيقة بصانعي القرارات في الحزب الجمهوري الأميركي، كما أن أكبر داعمي منتدى، كوهيلت هما المليارديران اليهوديان، جيفري ياس، وآرثر دانتشك، مع العلم أن منتدى كوهيلت يمتنع عن ذكر هذين الاسمين، لأن المليارديرينِ هما كذلك ثالث أكبر الداعمين للحزب الجمهوري الأميركي!

إن موشيه كوبل رئيس منتدى كوهيلت هو أيضاً عضوٌ في لجنة القضاء والدستور في الكنيست، كما أن هذا المركز نفسه أعدَّ الدعاية الانتخابية لمعظم الأحزاب اليمينية (الحريدية) في إسرائيل، وهو الذي صاغ السياسة العامة لحزب، يمينا الحريدي المتطرف، وهو فوق كل ما سبق أشرف على تشكيل الحكومة اليمينية الراهنة كما أن منتدى كوهيلت هو الأكثر تأثيراً على نتنياهو نفسه، وهو الذي أرغم نتنياهو على إسناد حقيبة الدفاع والمالية لسموترتش!

ذكر الباحث، عبد القادر بدوي في بحثه المنشور في صفحة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) دور المركز السياسي السري في توجيه حكومة نتنياهو، وأشار إلى أن منتدى، كوهيلت للأبحاث هو صاحب مبادرة الإصلاح القضائي التي سببت التظاهرات في إسرائيل، كما أن، منتدى كوهيلت هو الذي وضع بنود قانون القومية عام 2018م، وهو الذي ضغط على، مايك بومبيو وزير خارجية أميركا لكي يعترف بشرعية المستوطنات!

قال الباحث: «إن أعضاء منتدى كوهيلت يتصرفون كوزراء متنفذين في حكومة نتننياهو وليس كباحثين في مركز أبحاث، هم يشاركون في كل اجتماعات القيادة السياسية! لذلك فإن منتدى كوهيلت هو الذي يحكم الكنيست»!

قررتُ أن أبحث عن الجانب الديني في منتدى، كوهيلت بدأت أبحث عن سبب التسمية فوجدتُ أن، كوهيلت اسم ديني مقتبسٌ من سفر الجامعة في العهد القديم، كان يُطلق على الملك سليمان بن النبي داود، وهو يعني القائد والواعظ والإمام، هذا السِّفر هو سفرٌ فلسفي متشائم كما وصفه الباحثون في العهد القديم، لأنه يقول: (الكل باطلٌ فوق هذه الأرض، الكل مصيره الفناء) إنه ليس سفراً وعظياً دينياً، بل هو سفر حزين، جاء فيه أيضاً مقولة لها علاقة بما يجري اليوم من جرائم يرتكبها الاحتلال: «يأتي الخيرُ كثيراً من الشر، إن ما كان في سالف الأزمان هو الذي سيكون في المستقبل، لأن الكون على شكل دائرة»!

كما أن أباطرة المال من أصحاب الثروات الضخمة هم أيضاً جزء من هذه الحكومة العميقة، فقد كان الملياردير، شلدون أدلسون المنتمي للحزب الجمهوري هو من أكبر الداعمين لهذا الحزب وهو أيضاً إمبراطور صالات القمار في العالم، توفي عام 2021م كان ضمن طاقم الحكومة العميقة، ولا يجب أن ننسى كبار مسؤولي المنظمات الصهيونية العالمية، مثل، رونالد لاودر صاحب أهم محال بيع مواد التجميل في العالم!

تشمل الحكومة العميقة في إسرائيل أيضاً، إسحق يوسيف أكبر حاخامي السفارديم،

ودافيد لاو حاخام الإشكنازيم أيضاً، كما أن إسرائيل أجزلت لهما المرتبات بحيث يصل مرتبهما السنوي إلى مئة وثمانين ألف دولار، وهو ما يعادل مرتبات قضاة المحكمة العليا، ومنحتهما الحصانة أيضاً!

أدركت إسرائيل منذ بداية تأسيسها أن مخططاتها لن تنجح، إذا نجح الفلسطينيون في بناء منظومة محكمة لمراكز الدراسات والأبحاث، لذا فإنها استولت على أرشيفات فلسطين عام 1948م وصادرت مقتنيات المكتبات العامة والبيوت الخاصة، وأودعت كل هذه المسروقات في مكتبة الجامعة العبرية بالقدس لخدمة الباحثين الإسرائيليين!

كذلك استولت إسرائيل على محتويات وكتب وأبحاث مراكز الأبحاث الفلسطينية، ونَهبت كلَّ محتويات مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت عام 1982م، ودمرت معظم مراكز الأبحاث في قطاع غزة والضفة الغربية!

ملاحظة أخيرة: مراكز الأبحاث في العالم ليست مؤسسات حكومية يتلقى الباحثون فيها مرتباتهم من الدولة باعتبارهم موظفين حكوميين، كما يحدث في كثير من الدول الصغيرة، بل هي مراكز ربحية لإنتاج الأفكار واستثمارها، فهي المسؤولة عن إنتاج برامج الرقميات، وهي صاحبة أهم مشروع في عصرنا الحالي وهو، الذكاء الصناعي، إذاً، فهي مؤسسات تُدر دخلاً كبيراً في كل المجالات، وهي أيضاً تشارك في جلب الاستثمارات ودعم الاقتصاد الوطني.

تذكروا هذه المقولة: إن مراكز الأبحاث والدراسات المنتجة الذكية في العالم، لا تقبل أن تكون عيناً على أوطانها، ولا تقبل دعم الحكومات والمنظمات الأجنبية المشروطة!