نشر بتاريخ: 2026/06/11 ( آخر تحديث: 2026/06/11 الساعة: 17:29 )
عدلي صادق

ثَمَّ أوجه للشبه بين "أبدية" وأخرى

نشر بتاريخ: 2026/06/11 (آخر تحديث: 2026/06/11 الساعة: 17:29)

في سعيه الى توريث ابنه، ظل محمود عباس يتماثل في بعض السمات، أو فيما أتيح له من السمات، مع النزعة الأبدية، التي امتلكت روح وهواجس الأسد، وعكست أبديته التي سقطت سريعاً في سوريا. فكما هو معلوم، كان عباس قد عاش الشطر الأكبر من طفولته وشبابه اليافع في ذلك البلد، وتأثر بـ "ثقافة" الذين حكموا سوريا لأزيد من نصف القرن!

وإن كانت خطوة عباس، في تصعيد الإبن، الى منصة السياسة، تتماثل مع منحى الأبدية الذي أظهره الأسد، عندما كان يُحضّر نجله باسل لخلافته، فإن موت الفجأة، الذي طاول النجل المرتجى للوراثة، جعل الخيار الثاني هو النجل الذي بلا طبائع وبلا حيثيات حياة تلائم الزعامة، وبهذا يتكرر التماثل، بالاختيار الحصري من قبل عباس، لنجل ذي حيثيات حياة مختلفة، وبلا طبائع سياسية أو قيمية، فأقحمه مراهناً على حاملي المباخر والانتهازيين المنافقين، لا سيما في الساحات الأخرى، حيث يتعلق الواهمون بأي معنى أو قشة!

تكتيك التوريث نفسه يتماثل، وفي جوهره عملية طويلة لاختلاق الخواء، وإطلاق مفاعيل التآكل في مفاصل النظام السياسي، مع تركيز جل الانتباه على تماسك المخابرات. وفي تلك العجلة المستدامة من أمره، تماثل عبس مع الأسد، إلى حدٍ ما، في إهمال منظومته الأمنية الهرمية، وفي إهمال التنظيم السياسي الذي يحكم باسمه، فتصدعت الهرمية وتصدع الحزب.

الفارق بسيط بين الأبديتين، على مستوى درجات البؤس الذي أوقعه النظامان في العناصر. ربما في غزة، ظلت العناصر المتروكة في القطاع، أقرب الى نظيرتها في سوريا، على مستوى التجاهل والإهمال. ولأن الأمن في الضفة وغزة، ليس مطلوباً منه أن يقاتل دفاعاً عن النظام؛ يرتسم الاختلاف بين فلسطين وسوريا. ففي هذه الأخيرة الشقيقة، أدى الخواء الوجودي إلى تلاشي الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده بغير التجويع، وباستنزاف عافيته، مطمئناً إلى عافية الآخرين ( من روس وإيرانيين ومليشيات طائفية مهووسة) الذين استعان بهم لكي يبقى ويستمر إلى الأبد!

ذلك بمعنى أن اعتماد الأبديتين كان على الغير. ففي سوريا كان التعويل على "الحلفاء" المذكورين أدناه، وفي فلسطين كان حكما الأمر الواقع في الضفة وغزة، مطمئنين إلى حال التراضي مع إسرائيل بغير عقد، وفي غزة ـ قبل الانفجار ـ كان التراضي مجازياً بين الحكم والاحتلال بوساطة قطرية، وصلت في "جمالياتها" الى حد نقل الدراهم بالحقائب، عبر إسرائيل.

على الرغم من كل شيء، سقطت الأبدية السورية، بفعل الخواء والاهتراء. وقد تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَّبعوا. أما الأبدية الفلسطينية المرتجاة، أو المزمعة، فما تزال مؤهلة للغياب البليغ والفجائي، ولعل أهم أسبابها، هي كثرة الطامحين من حول الوريث، ولا صلاحية فخامة الصغير لوراثة الكبير فيما يعلم الطامحون عن كلاهما، ثم إن مانح الإرث يتوغل في الشيخوخة، معللاً تفاؤله بمساحة زمنية أخرى، بطول أعمار أفراد أسرته.

غير ذلك هناك فارق بين ديكتاتورية تحكم شعباً، وشعبٌ لديه قضية احتلال، لا يملك الوريث الحد الأدنى من اللغة التي ينبغي أن يستخدمها في مواجهته. وليس أدل على ذلك مما قاله قبل ساعات، أن الحكم الفلسطيني في الضفة، ليس لديه سوى مشكلة واحدة تتلخص في المال، وربما سقطت سهواً سائر المشكلات الأساسية.

إن سعي أي حاكم، إلى تأبيد حكمه بالتوريث، ليس إلا نوعاً من الحماقة، حتى وإن كان لهذا الحاكم، شيء من مآثر كيم جونغ أون الرهيب.