نقطة ضوء.. أيها الفاسدون: أخرجوا من بيننا
نقطة ضوء.. أيها الفاسدون: أخرجوا من بيننا
الكوفية تعوم البلاد في مستنقعٍ آسن من الفساد، ولم يعد ذلك سرًّا أو ادعاءً أو روايةً معارضة. الفضائح تتكشّف تباعًا، والوقائع تتراكم، حتى بات الاتهام بالفساد قضيةً عامة لا استثناءً عابرًا. ويكاد يُجمع الشعب الفلسطيني، دون تردّد، على اتهام كياناته السياسية والوطنية بالفساد، أو برعايته، أو بحمايته، أو بالصمت الجبان عليه. وبصراحةٍ لا تحتمل التأويل، انهارت الثقة بالكامل بكل ما يُسمّى مشروعًا وطنيًا.
▪️لقد فشلت الحركة السياسية والوطنية الفلسطينية فشلًا ذريعًا وشاملًا في بناء حكمٍ مؤسساتيٍّ نزيه، أو إقامة نظامٍ عادل، أو حتى الحفاظ على الحدّ الأدنى من العلاقة الأخلاقية مع شعبها. فانهارت القيم، وتحوّلت المناصب إلى غنائم، والثروة إلى معيار ولاء، والسلطة إلى أداة قمع وفساد. ضاعت البلاد، وتشتّت العباد، وساد الانقسام، وتآكلت الهوية، وخسرنا أنفسنا قبل أن نخسر الأرض.
▪️قلنا لكم – وما زلنا نقول – إن زواج الثورة مع السلطة فسادٌ مكتمل الأركان، وإن زواج الثورة مع المال خيانة، وإن خلط القانون بالسياسة والمال جريمة، وإن توريث الحكم عار، وإن العلاقات المريبة مع المحتل سقوط أخلاقي لا يغتفر.
وقلنا لكم بوضوح: إن زواج حركة فتح مع السلطة لم يكن خطأً عابرًا، بل خيارًا مدمرًا لحماية نظام الحكم، وعلى حساب روح فتح، وبوصلتها، ورسالتها التاريخية.
وقلنا لكم أيضًا: إن الأحزاب والحركات الثورية العربية التي استلمت الحكم سقطت لأنها خانت ذاتها، وارتكبت المحرّم الوطني، فدمّرت نفسها بأيدي قادتها، وسحقتها شبكات المصالح والفساد، قبل أن تسقطها الشعوب.
▪️ويجب الاعتراف – دون مواربة أو تبرير – أننا جميعًا نتحمّل مسؤولية هذه الجريمة الوطنية. نعم، هذه جريمة مكتملة الأوصاف بحق فلسطين. الصمت تواطؤ، والحياد خيانة، والتصفيق للفاسد مشاركة، وتقديمه إلى الواجهة جريمة ثانية.
ويجب الاعتراف أن الثوار حين نزلوا عن قمم المبادئ إلى وديان المكاسب قتلوا الروح الثورية، وأجهزوا على الجسد الوطني، وخانوا التاريخ والجغرافيا معًا، وحوّلوا الوطن إلى سوق مفتوحة للنهب، وميدان سباق على النفوذ والثروة.
ويجب الاعتراف أن المسار السياسي للقضية الفلسطينية قد انتهى عمليًا، وأن الارتهان له وحده خطيئة استراتيجية، كما أن القطار الثوري المسلح اصطدم بجدار الواقع، وحاصرته الإمكانيات المحدودة، والمؤامرات، والتحالفات الإقليمية والدولية. أما الحديث عن مقاومة جماهيرية سلمية، بصيغتها الحالية، فليس سوى وهم يُباع للناس لشراء الوقت وتخدير الغضب.
▪️الأمل الأخير، والوحيد، هو عودة حركة فتح إلى شعبها، لا إلى السلطة؛ إلى الشارع، لا إلى المكاتب؛ إلى المخيمات والقرى، لا إلى الامتيازات؛ إلى روح الانتفاضة الأولى، حيث الوحدة، والتكافل، والقيادة الجماعية، لا الفرد المتسلّط.
أدرك أن هذا المسار يصطدم بجدار المصالح؛ فبعض مراكز النفوذ داخل الإطار الفتحاوي لن تتخلّى طوعًا عن امتيازاتها، كما أن الواقع السياسي الإقليمي والدولي، ومعه سياسات الاحتلال، لا يشجّع على إعادة بعث فتح بوصفها حركة تحرر. ومع ذلك، لا بد من قول حقيقة مؤلمة بهدوء ووضوح: فتح، في صيغتها الراهنة، تمارس دور حزبٍ حاكم أكثر مما تجسّد حركة ثورية، ولكل من الدورين منطق مختلف وأدوات وتحالفات لا تتطابق بالضرورة .
▪️أيها الفتحاويون: فتح لم تُنشأ لتكون غطاءً للفاسدين، ولا سلّمًا للوصوليين، ولا مظلّةً للظلم والانقسام. فتح أمّ الشهداء والأسرى والجرحى، وحاضنة الفقراء والمهمّشين، وحارسة المخيمات والقرى والأغوار، وليست ملكًا لمن اختطفوها في عتمة المصالح.
المؤتمر الثامن لحركة فتح إمّا أن يكون لحظة تطهير تاريخية، أو شاهد زور جديد على الانحدار. يجب أن يُسلَّم لأيدٍ نظيفة، غير ملوّثة بالفساد، ولا بالتزوير، ولا بشراء الذمم، ولا بإقصاء الكفاءات والقامات الفتحاوية الحرة.
▪️وأخيرًا، نقولها بلا تردّد ولا مجاملة:أيها الفاسدون، ارحلوا.
احملوا ثرواتكم، وامتيازاتكم، وشركاتكم، ومناصبكم، وارحلوا عن فلسطين وعن فتح . لن يغفر لكم، ولن يأسف على غيابكم.