ثوب الفرح 3.. غزة تنتزع ابتسامة من بين أنياب الموت
نشر بتاريخ: 2026/11/06 (آخر تحديث: 2026/11/06 الساعة: 23:22)

على شاطئ بحر غزة، حيث اعتادت الأمواج أن تحمل حكايات المدينة ووجع أهلها، ارتفع صوت الفرح هذه المرة فوق أصوات المعاناة. هناك، في النادي البحري، لم يكن حفل «ثوب الفرح 3» مجرد زفاف جماعي، بل رسالة إنسانية تقول إن غزة، رغم الحرب والدمار، ما زالت تتمسك بحقها في الحياة، وبأن الفرح ليس ترفاً مؤجلاً، بل حاجة إنسانية لا تسقط تحت الركام.

جاء الحفل ضمن جهود عملية «الفارس الشهم 3»، وبمناسبة ثلاثة أعوام من التضامن والتراحم، وبدعم من مؤسسة صقر بن محمد القاسمي للأعمال الخيرية والإنسانية، في مبادرة إماراتية حملت إلى غزة مساحة من الأمل، وجمعت 500 عريس وعروس في يوم استثنائي، بحضور البعثة الإماراتية، والمخاتير ورجال الإصلاح، وشخصيات وطنية ومجتمعية وتنظيمية.

استُهل الحفل بآيات من الذكر الحكيم، وقراءة الفاتحة على أرواح شهداء فلسطين في غزة والضفة الغربية والثورة الفلسطينية، أعقبها عزف السلامين الوطنيين الإماراتي والفلسطيني، في مشهد جمع بين الوفاء للشهداء والاحتفاء بالحياة.

وأكد مصبح المسافري، رئيس البعثة الإماراتية في قطاع غزة، استمرار وقوف الإمارات إلى جانب الشعب الفلسطيني، فيما نقل أحمد صوفا، رئيس مؤسسة صقر، تحيات دولة الإمارات وقيادتها، وتحيات الشيخ صقر بن محمد القاسمي من رأس الخيمة، مشيداً بصمود أهل غزة وإرادتهم.

وكانت كلمة القائد محمد دحلان «أبو فادي»، عبر رسالة صوتية، من أبرز محطات الحفل. فقد عبّر عن أمنيته أن يكون حاضراً بين العرسان، يصافحهم ويشاركهم فرحتهم، مؤكداً أن غزة تستحق أن تفرح وأن تعيش، وأن واجب المرحلة لا يقتصر على تضميد الجراح، بل يمتد إلى رعاية الأحلام وإعادة بناء المستقبل.

ولم تغب السياسة عن كلمته، إذ شدد على أهمية الشراكة الوطنية، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بعيداً عن المناكفات والخلافات، بما يعيد الاعتبار لإرادة الشعب وحقه في اختيار من يمثله. كما وجّه الشكر إلى دولة الإمارات، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعملية «الفارس الشهم 3»، والدكتور جعفر هديب «أبو المجد»، تقديراً لجهوده في دعم أبناء شعبنا.

من جانبه، تحدث الدكتور محمد إربيع، رئيس لجنة إسناد عملية «الفارس الشهم 3» في قطاع غزة، عن الجهود المبذولة لإنجاح المبادرة، مثمناً دور محمد دحلان ونائبه سمير المشهراوي وقيادة تيار الإصلاح الديمقراطي، والبعثة الإماراتية، واللجنة التحضيرية، وكل من أسهم في صناعة هذه الفرحة.

وتوالت الفقرات الفنية والوطنية، فصدحت فرقة مهند الأشرم بأغنية «يا حلالي ويا مالي»، وتعانقت الأعلام الإماراتية والفلسطينية مع الدبكة الشعبية. وشارك الفنان الفلسطيني عبد الله نمر، مبتور القدمين، بالغناء وسط الجماهير، في مشهد جسّد أن الإرادة أقوى من الإصابة، وأن الفن يستطيع أن ينتصر للحياة. كما حضرت فرقة شمس الكرامة للدبكة، وأغنية «لعيونك يا أبو فادي»، والفنان خالد فرج من فرقة بلدنا بأغنية «شيلوها بعيونكم»، إلى جانب فرقة شعاع المجد، وفقرة أم شرف «عطاف الحمران»، وأمهات العرسان مع أغنية «يا أم العريس الله يتم عليكِ»، وصولاً إلى «مع السلامة».

لكن وسط الزغاريد والتصفيق، كان هناك قلب لا يستطيع أن يكتمل فرحه. لفتت انتباهي امرأة سبعينية تغالب دموعها أثناء كلمة دحلان. اقتربت منها، فسألتها عن سبب بكائها، فقالت بلهجتها الغزّية: «يمّا، أنا فرحانة للعرسان، وشايفة الفرحة في قلوبهم، لكن قلبي موجوع على ابني، كان نفسي أكون مع أمهات العرسان».

لم يكن ابنها من بين الذين حالفهم الحظ في القرعة. لم تكن تعترض على نتائجها، ولا تشكك في نزاهتها، لكنها كانت أمّاً ترى فرحة الآخرين وتتمنى أن تجد لابنها مكاناً في هذه الفرحة.

ومن هنا، أرفع صوت هذه الأم، بكل ما تحمله من وجع وأمل، إلى القائد محمد دحلان والشيخ محمد بن زايد آل نهيان: أن تمتد أيديهما الكريمة إلى العرسان الذين لم تشملهم المبادرة، وأن تُفتح أمامهم نافذة أخرى للفرح، وألا يُغلق باب الأمل في وجوههم لمجرد أن القرعة لم تخترهم هذه المرة. فهؤلاء أيضاً أبناء غزة، ولهم أمهات ينتظرن لحظة الفرح، وأحلام تستحق أن ترى النور. إنها دعوة لاستكمال الحكاية، حتى لا تبقى فرحة بعض البيوت وجعاً صامتاً في بيوت أخرى.

ومع خفوت الموسيقى وانسـدال الستار الأحمر، لم تكن نهاية «ثوب الفرح 3» نهاية الحكاية، بل تمهيداً لثوب الفرح الرابع. فغزة لا تحتاج إلى من يشاركها لحظة الفرح فقط، بل إلى من يساعدها على أن تجعل الفرح حقاً متاحاً لأبنائها جميعاً.

شكراً لدولة الإمارات العربية المتحدة، وللشيخ محمد بن زايد «أبو خالد»، الخالد في قلوبنا، وللقائد محمد دحلان «أبو فادي»، ولكل من ساهم في هذه المبادرة الإنسانية.

ففي غزة، لا تقاس قيمة الفرح بعدد العرسان الذين ارتدوا ثوب الزفاف، بل بعدد القلوب التي استطاعت أن تستعيد إيمانها بالغد. لقد غنّت غزة في تلك الليلة، رغم جراحها، وقالت للعالم إن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة الحياة. ويبقى رجاؤنا أن يصل الفرح إلى كل بيت، وألا تبقى أمٌّ أخرى تذرف الدموع لأنها رأت باب الفرح يُفتح لغير ابنها ويُغلق في وجه حلمه. فغزة التي تستحق الحياة، يستحق جميع أبنائها أن يفرحوا.