صرخة اعتراض واجبة
نشر بتاريخ: 2026/10/12 (آخر تحديث: 2026/10/12 الساعة: 14:11)

بدا واضحاً أن المتحكم في حقوق الموظفين في رواتبهم، يبقيها أو يقطعها؛ قد وجد نفسه، مضطراً لطلب فزعة من الفئة التي يسمونها "السحيجة" لكي ترد عنه صرخة الاعتراض على ترحيل الاستحقاق الانتخابي الى سنة كاملة، لا يتخللها أي تطور في السياسة الداخلية الفلسطينية، في اتجاه توسيع دائرة المشاركة، وإنفاذ محددات الوثيقة الدستورية والتوافق على إدارة انتقالية وإنهاء التفرد.

من جانبنا حرصنا على تعيين الفارق بين تأجيل لموعد قريب معلوم، وموعد بعيد، يُبقى الحال الراهنة التي أصبح فيها الطرف الرسمي الفلسطيني مطروداً من منصة السياسة، وممنوعاً من دخول حلبة البت في مستقبل الوطن والقضية والسلطة!

كان وما يزال طرحنا يتعلق بحيثيات الزمن خلال سنة التأجيل. فهل يُرمى الموعد البعيد في وجوهنا، ثم يستمر الحال. هناك فارق بين أن يبدأ، بُعَيْدَ أي تأجيل حراك سياسي وطني وصولاً إلى توافق على إدارة المرحلة، وعلى الانخراط في برنامج سياسي وإغاثي، اجتماعي وسياسي، يتحسس كل جوانب الكارثة التي أوقعها العدو في غزة، مع ممارسات خنق الضفة وحصارها وجرائم القتل فيها.

ما نقوله، اعتراضاً على تأجيل الانتخابات لسنة، ثم نقطة على السطر، يصب في صالح السلطة والقضية والشعب الفلسطيني. فلا يختلف اثنان، على أن النظام السياسي الفلسطيني في حاجة إلى إصلاح. والجميع يعرف أن الحال متردية، وأن الغالبية العظمى من منتسبي حركة فتح، يطمحون إلى نظام سياسي ينهض بأعباء مرحلة شديد الصعوبة والخطورة. فالمعطيات الماثلة أمامنا، لا تحتمل المناكفات، وليس أسخف ولا أكثر عواراً من ترك كل معطيات الواقع المؤلم الضاغظ على أرواحنا، وتحسس وجوب "حماية" مقام الرئاسة من أي اعتراض أو نقد، بينما الرئيس يتوغل في العقد العاشر من العمر. فلا يفعل ذلك إلا العبيد ذوو الوعي الهابط إلى القاع، أو الانتهازيون الذين يرون في رئيس السلطة محض صاحب فضل في صرف رواتبهم، ولا يطمحون الى أكثر من ذلك، ولا يألمون من شيء، بينما إعادة بناء النظام السياسي الوطني، يصب في المحصلة، لصالح أسرهم ومستقبل أبنائهم ويلبي حاجة المجتمع إلى إنفاذ القانون واستعادة المؤسسات الدستورية.

على مر السنوات الطويلة، شارك الجميع في عملية النقد الشامل لترهل السلطة واختزال مؤسساتها في شخص فرد. واستهجن الجميع، فشل هذه السلطة في أن تحذو حذو جمعية إغاثية صغيرة، تقدم للناس في غزة شيئاً لسد الرمق أو شيئاً من الطبابة. وظل المجتمع الفلسطيني، أسير أسئلة موجعة، ونقاش يعيدون حُجَجَه ويعلكونها، وكل هذا الجميع، ظل يتمنى تجديد الشرعيات، وتمكين الشعب من اختيار من يحكمونه ويأخذون بالخيارات الكبرى. ذلك لكي لا يحكمنا الآخرون ويبتّون في أمرنا ومصيرنا في غيابنا، دونما كلمة اعتراض من سلطة هزيلة، عاجزة عن طرح رأيها، وكأن التهميش هو ما يلائمها، على النقيض من تمنيات الشعب الفلسطيني.

ما زلنا أمام خطر الإبادة أو التهجير، وما تزال الحرب المفتوحة ترقى لدى المحتلين، إلى مصاف البرنامج السياسي الدائم، ما يجعل من الإستحالة الخروج من الحرب، دون مساءلة الاجتماع الوطنيّ القائم، ودون مساءلة القوى الوطنية، ودون مساءلة السلطة نفسها عن استمرار تجويفها وعن أسباب عجزها وتمسكها ببنيتها المفرغة من حيثياتها الأولى، ودون أن يبقى القرار الوطني بيد حفنة صغيرة، من أشخاص لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة، وليس من بينهم شخص واحد ذو تفويض شعبي!

إن صرخة الاعتراض على التأجيل لسنة، دون أن يكون مشروطاً بالتوافق على صيغة حكم انتقالي تتبعها عملية انتخابية نزيهة؛ تُعد واجباً وطنياً يخدم الشعب الفلسطيني والقضية ويخدم السلطة من حيث كونها كياناً سياسياً يطالب الجميع بدمقرطته وإصلاحه.