أخيراً .. الفصائل تتفق على مصادرة حق الشعب .!
نشر بتاريخ: 2026/10/11 (آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 15:40)

ينطوي النقاش الدائر بين الفصائل على مسألة الانتخابات وتأجيلها على إشكاليتين بالغتي الدلالة بالنسبة للفلسطينيين، وما تقدمه الفصائل من عرض لم يكن بهذا الوضوح طوال العقود الماضية لكنه بات أكثر انكشافاً في سنواتها الأخيرة، لا من حيث الإخفاق الكبير تجاه الأهداف الوطنية ولا فقط من حجم كلفة هذه الفصائل على الشعب الفلسطيني حتى بعد فشل مشاريعها، لكن تكمن الدلالتان بأن واحدة منهما مفاهيمية والثانية سلطوية إدارية.

أما من حيث الأولى المفاهيمية فتصيب أي مثقف بصدمة فهم الفصائل البدائي للانتخابات وهو ما يعكس قصوراً فكرياً شديد الانكشاف.

فالانتخابات نبعت من فكرة أن الشعب هو صاحب السلطة مالك الصلاحيات يجتمع مرة كجمعية عمومية لتفويض مجموعة محددة لجزء من صلاحياته للقيام بمهمات محددة، وتنتهي دورة التفويض الممنوح بجرد حساب ومحاكمة عامة تعقد كل أربع سنوات، وفي معظم الدول تتم محاسبة الموظفين الذين تم تفويضهم واتخاذ القرار إما بتجديد التفويض ولفترة محددة أيضاً أو سحبه وتفويض موظفين جدد.

إذاً الانتخابات تعني ببساطتها وتعقيدها أن مالك الأرض والمكان وصاحب رأس المال يكلف موظفاً للقيام بمهمات من صلاحياته.

وإذا تم التدقيق بمفهوم الفصائل، ينطوي على مفهوم فضائحي، فالفصائل بالتجربة المعاشة يتوقف فيها الوعي السياسي عند مرحلة بدائية تتعلق بمفهوم السلطة كما القبيلة وسطوة الأقوياء والتسيد على الضعفاء وحكمهم بالقوة.

وما يلفت النظر بتفاوت المفاهيم بين الغرب مخترع فكرة الانتخابات والحكم والإدارة إذ تكمن المسألة في الوعي، فيما يعرف الغرب المسألة بفكرة المسؤولية تدير الفصائل لدينا الأمر بمنطق السلطة وما بين مفهوم السلطة والتسلط والحكم وبين مفهوم المسؤولية، أي المسؤولية الأبوية هنا تكمن الأزمة وطلاق الوعي.

أما الدلالة الثانية الإدارية فهي لا تقل خطورة عن الأولى. وهي نتاج لها تتعلق بطبيعة إدارة الفصائل والطبقة السياسية للحالة الفلسطينية. وهي تتوقف عند تلك المرحلة التي تمارس فيها السياسة دون الحد الأدنى لمفاهيمها ما تسبب بإنتاج قدر من التشوه يشوب سلوك الفصائل ويكشفها. فهي تستولي على صلاحيات الشعب ما يعتبر اعتداء على سلطته وصلاحياته.

وتكمن خطورة الأمر بعدد من الممارسات التي لا تنتهي مجرد شعور الفصائل بأنها من يقرر للشعب إذا كان بإمكانها السماح له بممارسة حقوقه الطبيعية أم لا، وهي من يحدد الوقت وربما تمنع لعقود كما هو حاصل.

الانكشاف الأكبر يكمن إدارياً في الاعتقاد بقلة ذكاء المخيلة الشعبية والنظر لها بتبسيطية شديدة بأن الشعب يبلغ حداً من الغباء لدرجة أنه سيبتلع كل شيء تقوله الفصائل دون أن تنتبه أنها شكلت حالة طاردة للكفاءات من بينها ولم يبقَ سوى أنصاف الأذكياء الذين لا يجيدون تسويق رواية الفصائل بل يزيدون انكشافها.

فما بالنا إذا كانت المخيلة الشعبية أكثر ذكاء ممن تبقوا في الفصائل ومن الطبقة السياسية ولم يكن من المصادفة أن المزاج العام الذي يمكن قياسه من السوشيال ميديا أنه يتداول بشكل ساخر تصريحات الطبقة السياسية التي تقدم أداء بهذه البساطة.

هل يشك أحد بأن حركة فتح صاحبة صلاحيات السماح أو المنع بأنها تريد انتخابات تضمن نتائجها بما يحقق لها السيطرة على المجلس التشريعي والرئاسة ؟

وهل يشك أحد بأن حركة حماس التي منعت حتى انتخابات بلدية في غزة طوال فترة حكمها تريد انتخابات أو توافق على التأجيل بمنأى عن قياسات حزبية ؟ والتي تريد مع القوى الأخرى تأجيلها لأنها بحاجة للزمن الذي تبتعد فيه عن واقع تدمير غزة واحتلالها كي تصوغ شعاراتها الانتخابية وربما تنشأ ظروف أفضل لها إذا لم تكن جزءا من تحالف، وهذا وحده يجعلها أميل لإجرائها وفقاً لحسبة لا علاقة لها بالشعب.

كان هناك تقدير منذ الإعلان عن الانتخابات أنه سيجري تكرار نموذج 2021 وتأجيلها لأسباب جزء كبير منها داخلي والتوازنات التي ظهرت وبأن هناك لحظة ستلغى فيها انتخابات 2026 قبل الوصول لها.

وفجأة تطلق الجبهة الشعبية مبادرة تطلب فيها تأجيل الانتخابات لمدة عامين ما ينطوي على خطورة كبيرة.

فكيف فكرت الجبهة، التنظيم الفلسطيني الذي يحمل مفردة الشعب في اسمه، وهي تقترح مصادرة حقه ؟

وبأي حق تتدخل في هذا الأمر ؟ لكن الأهم أن كل الفصائل الخائفة من الانتخابات ونتائجها وهي تدرك أن أداءها وكفاءتها وسلوكها السياسي سيخضع لمحاكمة شعبية صارمة في الصندوق وستحصد ما زرعته خلال السنوات الماضية، فلماذا تستعجل المحاكمة ؟

تأجيل الانتخابات يعني إلغاءها، لأن قدر الفلسطيني على مدار التاريخ أن يتحول المؤقت إلى دائم لكن هذه المرة على يد الفصائل. فالأمر تحول إلى حالة كاريكاتورية أن تفشل كل الفصائل على مدار عقدين من إنجاز المصالحة رغم عشرات الحوارات والمفاوضات أو تحقيق إنجاز الحد الأدني من التوافق بل إن الخلاف كان يتسع ويكبر باستمرار، ولكن حين تعلق الأمر باستمرار الاستيلاء على صلاحيات الشعب لم يحتج التوافق أكثر من جلسة حوار.

فأي طبقة سياسية تدير الحالة بهذا التذاكي المكشوف وهل يمكن أن تؤتمن على مصير الشعب ؟