عندما يكون التوافق مناورة!
نشر بتاريخ: 2026/09/29 (آخر تحديث: 2026/09/29 الساعة: 14:06)

يكون الحوار منظما عبر منتديات ومؤتمرات أو حرا عبر منابر إعلامية ووسائل تواصل اجتماعي، لا أحد يستطيع منع الحوار، ولا يكون الحوار مطلبا أو رهنا بهذا التنظيم أو مجموعة تنظيمات. يستطيع أي تنظيم وأي شخصية فكرية واجتماعية وإعلامية أن يطرح أفكارا وحلولا وينتقد أخرى. والحوار لا يرتبط بمناسبة ويغلق بعدها، فمن الطبيعي أن تحفزه المخاطر والمحن والأزمات التي يعيشها شعب أو جماعة. مفهوم الحوار في الحالة الفلسطينية فيه بعض الغرابة لجهة انتظار قرار المؤسسة بالحوار، وتوافق على بدء الحوار، وتوافق على نتائجه، بصرف النظر إذا ما كانت تنطوي على حلول واقعية أو تفتح أبوابا تؤدي إلى حلول. ودرجت العادة على أن تتقدم مصالح التنظيمات على مصالح من تمثلهم نظريا. الكل يتحدث والكل لا يسمع وفي المحصلة يتوافقون على محاصصة وبيان يرى كل واحد فيه ما يرغب أن يراه. ولا يهم إذا كان ذلك قابلا للتنفيذ أم لا، ويستطيع الطرف الأقوى التحكم في القرار.

اكثر القوى حماسا «للحوار الشامل» هي الجبهة الديمقراطية التي تدعو إلى مشاركة «حماس» و»الجهاد الإسلامي» وكافة القوى في الحوار. وترى في الانتخابات مدخلا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وصولا إلى حكومة توافق وطني، تتعاطى مع تحديات المرحلة الراهنة. وترى الجبهة في بيان بكين الذي يعتبر «م.ت.ف» ممثلا شرعيا، وبرنامج إقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي التي احتلت العام 67 برنامجا مشتركا، والمقاومة الشعبية شكلا للنضال المشترك، والإطار القيادي المؤقت الذي يضم اللجنة التنفيذية والأمناء العامين للتنظيمات أداة تنفيذية للاتفاق.

الجبهة الديمقراطية وتنظيمات أخرى تقفز عن الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني، بتغييبها لمبدأ المساءلة في حدوث اخطر كارثة هددت ولا تزال تهدد وجود شعب وقضيته، وبعدم إشارتها إلى الأطراف الفلسطينية المسؤولة عن تقديم الذرائع لحرب الإبادة، والى الدور الفلسطيني العام وكأنهم يصدرون عفوا عاما، ويقلبون الصفحة عن الذين زجوا بملايين من الشعب الفلسطيني في أتون حرب ألحقت بهم أفدح الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والمعنوية - اكثر من ربع مليون - دمرت حياتهم ومستقبلهم دون رحمة، وما تبقى يعيش في حالة تشرد وترهيب وإذلال في خيام لا تصلح للحياة صيفا وشتاء. ويفقد المواطنون في الضفة الغربية ارضهم ومواردهم ويتعرضون لتطهير عرقي. يتم الاكتفاء بتحميل دولة الاحتلال وحدها مسؤولية الكارثة، وهي جديرة بذلك في نظر الأكثرية الساحقة من دول العالم وقد أدينت من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. ما يحدث هو أن الفصائل الفلسطينية تسقط العامل الفلسطيني من المسؤولية وحتى من المساءلة ومن تقييم الأداء السياسي الهابط أثناء الحرب، يتم إعفاء حركة حماس من المسؤولية من خلال دمجها مع الشعب الفلسطيني باعتباره الضحية، وكأن مغامرتها كانت صحيحة. أيضا يتم إعفاء الكل الفلسطيني من المراجعة وتحمل المسؤولية. مع أن الحالة الفلسطينية تستدعي إجراء محاسبة عميقة للذات بعد الطوفان وحرب الإبادة. يقول ميخائيل ميليشتاين الباحث الأول في مركز موشي ديان – جامعة تل أبيب -: أظهرت مراجعة لخمسة وعشرين تحقيقا أجراها جيش الاحتلال حول 7 أكتوبر قدمت إجابات متباينة في جودتها، كانت اقل نجاحا عند مواجهة السؤال الأكثر صعوبة: لماذا حدث ذلك؟ وخلصت المراجعة: إلى قصور في فهم غزة و»حماس»، ازدراء العدو وعدم الاطلاع على ثقافته ولغته، الثقة بالتكنولوجيا على حساب المعاينة الحسية، وان الكثير من الدروس المستفادة بعد إخفاق حرب أكتوبر العام 73 قبل خمسين عاما أصبحت طقوسا بدلا من الاستيعاب الحقيقي لها.

لم تكتفِ الفصائل بإعفاء حركة حماس من المسؤولية ومن كم الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها قيادتها، بل عزت التحول الكبير في الرأي العام العالمي ضد دولة الاحتلال الذي حولها إلى دولة منبوذة إلى الطوفان والمقاومة، وليس إلى ارتكابها جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية لم يحتملها العالم. وبهذا أرادت تحويل المقامرة بمصير شعب إلى إنجاز عظيم. قافزة عن إدانة الأمم المتحدة و»العدل الدولية» و»الجنائية» و»أمنستي» و»هيومان رايتس ووتش» لهجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر بسبب استهدافه مدنيين بما في ذلك سوق مسنين وأطفال وعمال أجانب إلى الأسر. ومتجاهلين تقديم «الجنائية «مذكرات اعتقال ضد ثلاثة من ابرز قيادات «حماس».

ليس من حق التنظيمات مجتمعة أو منفردة القفز عن المساءلة في هذه القضية المفصلية الكبرى، ولا معنى لانتخابات تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، بمعزل عن إجابة المرشحين للانتخابات عن أسئلة ملايين الفلسطينيين المنكوبين. بمعزل عن المساءلة والمحاسبة والمراجعة، بمعزل عن معايير وقواعد الوحدة والصراع.

لا خلاف على هدف الوحدة الوطنية التي تضم الجميع في إطار «م.ت.ف». بوصفها الشرعية الفلسطينية. والسؤال: أين مكان «حماس» في هذه الوحدة. تقول الجبهة الديمقراطية ومعها فصائل أخرى، إن «حماس» تقر بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وإطارا للوحدة، وببرنامج المنظمة الذي يختصر بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع عاصمتها القدس. والمقاومة الشعبية كشكل للنضال. وبهذا المعنى فإن حركة حماس جاهزة للوحدة الوطنية. ولكن وفي واقع الحال فإن الحركة لا تعترف بالمنظمة والدليل على ذلك أنها ومعها تنظيمات اليسار تشترط إطارا قياديا مؤقتا يضم اللجنة التنفيذية والأمناء العامين. هذا يعني أنها لا تعترف بالمنظمة إلا إذا ما تحققت شروطها المعلنة وغير المعلنة. كيف تقبل منظمة التحرير التنازل عن شرعيتها المعترف بها لصالح إطار مؤقت غير معترف به دوليا وعربيا. ولا يغير من هذه الحقيقة وجود سطر يعترف بالمنظمة في بيان بكين غير ملزم لحركة حماس. ما الذي يضير «حماس» أن تحضر اجتماعات اللجنة التنفيذية وتشارك في اتخاذ القرارات. وواقع الحال فإن «حماس» لا تتبنى إقامة دولة فلسطينية إلا بالأقوال أثناء الأزمات. وثيقة 2017 تؤيد إقامة دولة كبرنامج مشترك ولكنها في عديد من النصوص تؤكد على برنامجها للتحرير من النهر إلى البحر. متجاوزة أن حل الدولة الفلسطينية يرتبط بالحل الدولي والقرارات التي يستند إليها وأهمها قرار التقسيم رقم 181 الذي يتحدث عن دولتين، وقرار 194 الذي يتحدث عن عودة اللاجئين إلى المناطق التي تخضع للدولة الأخرى. من حق «حماس» وأي تنظيم آخر وأي شخص رفض الحل الدولي والنضال من خارجه. ولكن الازدواجية والتذاكي والانتقائية غير ممكنة. فقد أخفقت هذه الازدواجية التي اعتمدتها «م.ت.ف» واضطرت إلى تجاوزها في وثيقة إعلان الاستقلال. أما النضال السلمي فقد حسمته خطة ترامب ببنودها العشرين وخارطة الطريق ببنودها الخمسة عشر التي تنص ويا للمفارقة على نزع السلاح بكل أنواعه وتسليم الحكم إلى لجنة تكنوقراط. كان الأجدر بتنظيمات الوسطاء مراجعة تجربة المقاومة المسلحة في قطاع غزة وشمال الضفة.. وللحديث بقية