من يملك المجلس الوطني… الشعب أم المحاصصة؟
نشر بتاريخ: 2026/09/16 (آخر تحديث: 2026/09/16 الساعة: 17:08)

حين يُطلب من الفلسطيني أن يدفع ثمن فلسطين، ثم يُقال له إن صوته ليس أولوية عندما يحين وقت صناعة القرار، فهذه ليست أزمة تمثيل عابرة… إنها أزمة شرعية. وحين يُستدعى الشعب الفلسطيني إلى الصمود، ويُرفع اسمه في الخطب، وتُستحضر تضحياته في كل محطة، ثم يُستبعد عندما يتعلق الأمر باختيار من يمثله، يصبح السؤال أكثر قسوة ووضوحاً: من يملك حق تمثيل الشعب الفلسطيني؟ الشعب نفسه، أم الذين يتحدثون باسمه؟

المجلس الوطني الفلسطيني ليس غرفة محاصصة، ولا ملكية خاصة للفصائل، ولا مساحة مغلقة لتوزيع المقاعد وفق موازين القوى. إنه، في جوهره، صوت الشعب الفلسطيني ومرآة إرادته. ومن يحوّل التوافقات السياسية إلى بديل دائم عن الإرادة الشعبية، لا يحمي شرعية المجلس، بل يضعها أمام اختبار حقيقي.

اللاجئ ليس رقماً.

المخيم ليس صندوقاً انتخابياً.

والتاريخ النضالي ليس تفويضاً مفتوحاً لأحد.

هذه ليست معركة على مقعد أو حصة أو موقع. إنها معركة على معنى التمثيل نفسه، وعلى السؤال الذي لا يجوز دفنه تحت أي عنوان: هل يكون الفلسطيني شريكاً في صناعة القرار الوطني، أم يبقى مطلوباً منه أن يمنح الشرعية لمن يختارون عنه؟ وهنا لا يمكن المرور فوق الساحة اللبنانية مروراً عابراً. فلبنان لم يكن مجرد محطة لجوء فلسطيني، ولم تكن مخيماته مجرد تجمعات سكانية على هامش التاريخ. لقد كانت هذه الساحة، على امتداد عقود، واحدة من أهم ساحات العمل الوطني الفلسطيني، وحاضنة تاريخية لمنظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية، وميداناً مركزياً للدفاع عن الهوية الفلسطينية وعن القرار الوطني المستقل.

في لبنان لم تُرفع فلسطين بالكلمات فقط؛ دُفعت كلفة فلسطين دماً وشهداء، وتهجيراً ودماراً وحصاراً. ومن الجنوب إلى بيروت، ومن البقاع إلى الشمال، ومن المخيمات والتجمعات إلى المدن والبلدات والأحياء، بقيت فلسطين حاضرة في الذاكرة، والبيت، واللغة والوعي.

عاش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عقوداً من الحروب والمآسي، وخسروا أبناءهم وبيوتهم واستقرارهم، لكنهم لم يتخلوا عن هويتهم، ولم يحوّلوا اللجوء إلى نسيان. وحين ارتبط اسم منظمة التحرير الفلسطينية بآمال الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية، لم تكن بالنسبة إلى كثيرين مجرد مؤسسة سياسية، بل عنواناً للهوية الوطنية والحق في العودة. فكيف يُطلب ممن دفع كل هذا الثمن أن يقبل بأن يُختار ممثلوه بعيداً عن إرادته؟

من دفع الثمن لا يُقصى عن القرار.

ومن حفظ المنظمة لا يُهمَّش داخلها.

ومن حمل فلسطين في مخيمه وبيته وذاكرته، له الحق أن يحمل صوته إلى المجلس الوطني.

وهذه هي الحقيقة التي لا يجوز دفنها تحت شعارات الوحدة الوطنية. فالوحدة لا تعني أن تتفق القوى السياسية على أسماء ثم تطلب من الشعب التصفيق. والوحدة لا تعني أن يتحول التوافق الفصائلي إلى بديل دائم عن الإرادة الشعبية. والوحدة لا تعني أن يصبح الانقسام الفلسطيني ذريعة لتعليق حق الفلسطينيين في المشاركة إلى أجل غير معلوم.

إن احترام منظمة التحرير لا يعني تجميدها، والحفاظ على وحدتها لا يعني تعطيل حق شعبها في المشاركة، والتمسك بتاريخها لا يعني تحويل هذا التاريخ إلى حصانة دائمة ضد المساءلة أو التجديد أو إعادة بناء العلاقة مع الجمهور الفلسطيني. إذا كانت منظمة التحرير هي البيت الوطني الجامع، فإن البيت الذي تُغلق أبوابه أمام أصحابه يفقد شيئاً من معنى البيت. وإذا كان المجلس الوطني هو الإطار الذي يفترض أن يجسد إرادة الشعب الفلسطيني، فإن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم ليس منّة من أحد، ولا امتيازاً تمنحه الفصائل، ولا تفصيلاً يمكن تأجيله كلما تعقدت الحسابات السياسية.

والحديث هنا لا يقتصر على مخيمات لبنان وتجمعاته. إنه يتعلق بكل فلسطيني لاجئ يعيش على الأراضي اللبنانية؛ في المخيمات والتجمعات والمدن والبلدات والأحياء، وفي كل مكان حافظ فيه الفلسطيني على اسمه وهويته وذاكرته وحقه في العودة.

أما سوريا، فلا يمكن أن تغيب عن هذه المعادلة الوطنية. فالساحة الفلسطينية في سوريا تحمل تاريخاً ثقيلاً من النضال واللجوء والتضحيات، وكان مخيم اليرموك لعقود واحداً من أبرز رموز الوجود الفلسطيني، قبل أن يدفع الفلسطينيون هناك أثماناً قاسية من القتل والدمار والنزوح والتشتت. ومن ثم فإن حضور فلسطينيي سوريا وتمثيلهم الوطني ليس تفصيلاً جغرافياً، بل جزء من صورة الشعب الفلسطيني الواحد.

لكن خصوصية لبنان تبقى حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية الفلسطينية؛ فهذه الساحة ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وبسنوات طويلة من المواجهة والصمود، وبمخيمات تحولت إلى خزائن للذاكرة الوطنية الفلسطينية. ولهذا فإن تجاهل الصوت الفلسطيني في لبنان لا يعني فقط إقصاء شريحة من اللاجئين، بل يعني تجاهل جزء من التاريخ الذي قامت عليه التجربة الوطنية الفلسطينية نفسها.

إن إعادة الاعتبار إلى إرادة الفلسطينيين لا تعني إلغاء دور الفصائل، ولا إنكار تاريخها، ولا تفكيك منظمة التحرير، بل تعني إعادة بناء العلاقة بين المؤسسة والشعب على قاعدة أكثر صلابة: الشعب مصدر الشرعية، والمؤسسات أدوات لخدمته، والفصائل مكونات من مكونات الحركة الوطنية وليست بديلاً عن الشعب. فمن دفع الثمن لا يُقصى عن القرار. ومن حفظ المنظمة لا يُهمَّش داخلها. ومن حمل فلسطين في مخيمه وبيته وذاكرته، لا يجوز أن يُقال له إن حقه في اختيار من يمثله شأن ثانوي.

المطلوب ليس مجلساً وطنياً يعكس موازين القوى وحدها، بل مجلساً يستعيد صلته بالشعب الفلسطيني؛ مجلساً يشعر فيه اللاجئ في لبنان، والفلسطيني في سوريا، وكل فلسطيني أينما كان، أن صوته ليس فائضاً عن الحاجة، وأن وجوده ليس رقماً في سجل، وأن قضيته ليست ملكاً حصرياً لأحد. فالمجلس الوطني الفلسطيني لا يستمد قوته من عدد المقاعد التي تتقاسمها القوى، بل من مقدار ما يمثله من شعب. وعندما يصبح الفلسطيني قادراً على اختيار من يتحدث باسمه، يصبح الحديث عن الشرعية أكثر من شعار. أما عندما يُطلب من الشعب أن يمنح الشرعية لمن لم يخترهم، فسيبقى السؤال مفتوحاً، حاداً، ومشروعاً: من يملك المجلس الوطني الفلسطيني… الشعب الفلسطيني أم المحاصصة؟

وفي لبنان تحديداً، حيث اختُبرت فلسطين في أقسى الظروف، وحيث دفع اللاجئون من أعمارهم وبيوتهم وأبنائهم ثمناً باهظاً للحفاظ على هويتهم وقضيتهم، لا يمكن أن يكون الصوت الفلسطيني مجرد تفصيل مؤجل.

فاللاجئ ليس رقماً.

والمخيم ليس صندوقاً انتخابياً.

والتاريخ النضالي ليس تفويضاً مفتوحاً لأحد.