العلاقات البريطانية-الإسرائيلية: انفراط عقد التحالف الأخير؟*
نشر بتاريخ: 2026/09/05 (آخر تحديث: 2026/09/05 الساعة: 15:53)

تشهد العلاقة التاريخية بين المملكة المتحدة وإسرائيل تحولاً جذرياً غير مسبوق، إذ تآكل الدعم البريطاني غير المشروط الذي اعتادت إسرائيل عليه لعقود. ومع استمرار العدوان على غزة، وتصعيد العمليات ضد إيران، والهجمات المتواصلة على سوريا ولبنان، بالإضافة إلى التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية الذي بلغ ذروته بمشروع "إي-1"، باتت لندن تتبنى خطاباً أكثر صرامة وتدرس حزمة إجراءات عقابية.

تخلص هذه الورقة إلى أن ما يحدث في بريطانيا ليس مجرد تبدل في المزاج السياسي المؤقت، بل هو مؤشر على إعادة تموضع غربية أوسع تجاه إسرائيل، وأن المجتمع البريطاني بغالبيته بات يؤيد فرض عقوبات على المستوطنات وحظر تصدير الأسلحة. ورغم أن هذا التحول لا يزال في بداياته، فإنه يمثل نافذة سياسية يجب استغلالها، إذ أن التاريخ لا يبقيها مفتوحة إلى الأبد.

أولاً: المقدمة – الخلفية:

بينما يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، ويوسع عملياته في إيران، ويواصل هجماته على سوريا ولبنان، بات من الواضح بشكل متزايد أن الدعم غير المشروط الذي كانت إسرائيل تحظى به من حلفائها التقليديين في الغرب يتراجع. ومع بدء دول أوروبية كبرى في دراسة سياسات جديدة لعزل إسرائيل ومعاقبتها، تبرز بريطانيا كأحد أبرز المسارح التي تشهد إعادة ضبط في علاقتها مع إسرائيل.

تاريخياً، زوّدت بريطانيا إسرائيل بالسلاح، وشاركتها الاستخبارات، ووفّرت لها غطاءً دبلوماسياً. لكن ثمّة حداً قد جرى تجاوزه الآن، ويبدو أن التبريد التدريجي للعلاقات الذي تعيشه إسرائيل مع بعض حلفائها القدامى قد وصل أخيراً إلى بريطانيا. تستكشف هذه الورقة درجة الحرارة السائدة في الأوساط السياسية والشعبية البريطانية، ومسار مكانة إسرائيل في بلد اعتمدت عليه تاريخياً في دعمه المطلق.

ثانياً: التحليل – ملامح التحول الكبير:

- إعادة الضبط السياسي تتشكل في لندن:

في أولى جلساته بعد العودة من العطلة البرلمانية الصيفية، تعهّد وزير الخارجية البريطاني الجديد، إد ميليباند، بـ "إعادة ضبط شاملة" لسياسة بريطانيا تجاه إسرائيل، معلناً عزمه على منع الشركات البريطانية من المساعدة في بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

و قال ميليباند إنه سيعمل على منع المشاركة البريطانية في مشاريع مثل خطة "إي-1" غير القانونية، التي يرى منتقدوها أنها تهدف إلى تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين. وجاءت هذه التصريحات بعد أيام من إصدار إسرائيل مناقصات لبناء نحو ثلث الوحدات السكنية المخطط لها في هذا المشروع (حوالي 3400 وحدة). وصف ميليباند الاستيطان بأنه "تجاوز للخط الأحمر"، مضيفاً أنه "يقطع قلب الضفة الغربية ويخاطر بجعل قيام دولة فلسطينية أمراً غير قابل للحياة. هذه الحكومة لن تتواطأ في تدمير حل الدولتين. سنتحرك، وسأعلن عن حزمة شاملة من الإجراءات في الأسابيع المقبلة. أريد إعادة ضبط شاملة لنهجنا تجاه هذه القضايا، لأن ذلك ضروري، وقد حان الوقت."

ويأتي ذلك بالتزامن مع تصريحات رئيس الوزراء آندي بورنهام، الذي قال منذ البداية إن حزب العمال أخطأ في نهجه تجاه إسرائيل وفلسطين – وتحديداً تجاه العدوان على غزة – وتعهد بتصحيح المسار.

إن مثل هذه اللغة الحادة، والإجراءات الصارمة التي ترافقها، كانت ستعتبر مثيرة للجدل في الماضي. لكن ذلك لم يعد كذلك اليوم. ففي أيار/مايو الماضي، دعا مجموعة من الدبلوماسيين البريطانيين المتقاعدين الحكومة إلى التهديد باتخاذ إجراءات ضد أي شركات تقدم عطاءات لبناء أي مستوطنة غير قانونية "مصممة لتقسيم الضفة الغربية إلى نصفين وتدمير قابلية فلسطين للحياة"، محذرين من أن خطة "إي-1" هي جزء من "ضم إسرائيل المنهجي للضفة الغربية".

- الرأي العام البريطاني يسبق السياسة:

إن أي سياسة جديدة تحتاج إلى دعم شعبي لاستدامتها. وبخصوص الإجراءات المحددة التي تستهدف الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي في الضفة الغربية، فإن غالبية الجمهور البريطاني تؤيدها بشكل كامل.

تشير استطلاعات الرأي الحديثة التي أجرتها مؤسسة "يوغوف" في آب/أغسطس 2026 إلى أن واحداً من كل اثنين من البريطانيين (50%) يؤيد فرض حظر على التجارة مع المستوطنات غير القانونية، في حين أن 16% فقط يعارضون ذلك. وهذا يعكس توجه الرأي العام البريطاني، وهو القاعدة وليس الاستثناء.

كما أظهرت استطلاعات سابقة أن أكثر من ستة من كل عشرة بريطانيين (62%) يعارضون العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في غزة والضفة الغربية، في حين أن 13% فقط يؤيدونها. كما تؤيد الأغلبية (54%) من الجمهور البريطاني قيام الحكومة بإنهاء جميع صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، بما في ذلك قطع غيار طائرات "إف-35" التي استمر تدفقها إلى إسرائيل طوال فترة الإبادة الجماعية في غزة، مقابل 22% فقط يعارضون ذلك.

- الإعلام والمجتمع المدني يشدّدان الضغط:

تعكس أوساط الإعلام البريطاني هذه المواقف الحازمة. ففي افتتاحية نشرتها صحيفة "الغارديان" في 2 أيلول/سبتمبر 2026، رأت أنه إذا كانت بريطانيا عازمة على فرض إجراءات ضد المستوطنات، فيجب أن تكون شاملة وجريئة:

"الاختبار الحقيقي الآن هو ما إذا كانت 'إعادة الضبط الشاملة' التي وعد بها ميليباند تستحق هذا الاسم. إن وقف المنتجات القادمة من المستوطنات على الحدود ليس كافياً. يجب أن تمنع بريطانيا شركاتها من دعم النشاط الاستيطاني – من خلال التمويل، أو البناء، أو التأمين، أو الإعلان – في الأراضي التي تعتبر احتلالها غير قانوني. يجب أن يكون للحظر أسنان."

أضافت الصحيفة، "الحالة القانونية واضحة: دول أخرى تتحرك، والفضاء السياسي يتسع – كل ذلك بينما يصبح الضم التدريجي حقيقة واقعة. إسرائيل توسع سيطرتها المدنية على الأراضي المحتلة مع توسع المستوطنات. أما غزة، حيث قُتل أكثر من 70 ألفاً من الفلسطينيين، فقد استحوذت بفهم على انتباه العالم."

صحيفة "فاينانشال تايمز" نشرت افتتاحية في 31 آب/أغسطس 2026 دانت فيها ما وصفته بـ "الضم الفعلي للضفة الغربية" قائلة:

"لا يمكن تجاهل الكارثة التي تتكشف في الضفة الغربية. لإسرائيل مخاوف أمنية مشروعة كثيرة، لكن أفعالها في الضفة ترقى إلى عمليات استيلاء على الأراضي في خدمة الأيديولوجيا." وأضافت: "ينبغي على الدول الغربية اتخاذ موقف موحد لحظر الصادرات من المستوطنات التي تعتبر غير قانونية. كما ينبغي أن يواجه الكيانات الإسرائيلية المتورطة في بناء أو تمويل المستوطنات عقوبات. يجب على أعضاء الاتحاد الأوروبي الاتحاد لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. وعلى الأوروبيين أيضاً إقناع ترامب بأن نتنياهو يعمل ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية من خلال زعزعة استقرار المنطقة. بالنسبة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين دُمرت سبل عيشهم، فقد فات الأوان بالفعل."

في سبتمبر/أيلول 2026، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً واسع النطاق أكدت فيه:

"من الخطوة المباركة أن تخطط المملكة المتحدة لتقييد التجارة مع المستوطنات، ومع ذلك، يجب أن تكون الإجراءات شاملة. بالاعتماد على الهياكل القانونية والسياسية الحالية في المملكة المتحدة، فضلاً عن أفضل الممارسات من ولايات قضائية أخرى، فإن بريطانيا في وضع جيد يسمح لها بتنفيذ وإنفاذ حظر شامل على جميع أشكال التجارة والاستثمار التي تفيد المستوطنات. إن استمرار التقاعس أو الإجراءات النصفية يخاطر بتقويض القانون الدولي بشكل أكبر وتعزيز ثقافة الإفلات من العقاب التي تشجع إسرائيل على انتهاكاتها المنهجية لحقوق الإنسان بحق الفلسطينيين."

- تداعيات على العلاقة الثنائية:

إن تغير المد واضح ولا يمكن إنكاره. مع اقتراب فرض الإجراءات البريطانية، لم يعد بالإمكان تجاهلها أو وصفها بأنها فئوية، أو تمييزية ضد إسرائيل، أو حتى رمزية بحتة بهدف كسب الدعم السياسي. بل ستصبح ظاهرياً إرادة الشعب، مما يعكس المزاج السائد في المملكة المتحدة، ويؤكد تغير مكانة إسرائيل هناك.

نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" في 2 أيلول/سبتمبر 2026 تقريراً مطولاً قيّمت فيه العلاقة التاريخية المتينة بين إسرائيل وبريطانيا. وكانت استنتاجاتها واضحة:

"إن العلاقات البريطانية-الإسرائيلية بلغت أسوأ نقطة لها منذ عقود." وقد حذّر محللو الصحيفة من أن العلاقات لم تكن بهذا السوء منذ عدة عقود على الأقل، وأن الوضع مرشح فقط للتفاقم على المدى القصير.

ونقل التقرير عن مراقب قوله إن الأزمة حقيقية للغاية وقد تستغرق وقتاً طويلاً لإصلاحها، بغض النظر عن هوية الحكومة الإسرائيلية القادمة. وأضاف أحد المصادر المطلعة على العلاقة الثنائية: "يبدو حقاً أن العلاقة قريبة جداً، إن لم تكن قد بلغت، القاع بالنسبة لبلدين يعتبران حليفين."

الخاتمة والرؤية الاستراتيجية:

قد يكون التركيز حالياً منصبّاً على المستوطنات، وعلى الضم، وعلى الآليات التفصيلية للضفة الغربية. لكن المشاعر الكامنة وراء ذلك لا تقتصر على تفاصيل السياسات؛ بل إنها موجهة إلى إسرائيل نفسها.

لقد أجبرت غزة على مراجعة للحسابات ظلت لعقود مؤجلة أو محلّفة أو مرفوضة ببساطة. بريطانيا هي أحدث ساحات هذه المراجعة، ولن تكون الأخيرة.

هذا بلد يضم واحدة من أكثر هياكل الضغط المؤيدة لإسرائيل تنظيماً وتأثيراً في الغرب – بنيت على مدى أجيال، ومُوّلت بعناية، وصُممت لغرض واحد: إبقاء السياسة متحيزة بحماس لإسرائيل بغض النظر عما يحدث على الأرض. لكن الطبقة السياسية والنظام الإعلامي اللذين تحركا طويلاً في شبه انسجام مع تعاطفهما تجاه إسرائيل، يظهران الآن تشققات واضحة، وتشققات علنية.

افتتاحيات الصحف كانت ستتحفظ في السابق، أصبحت الآن تستخدم كلمات مثل "الضم" دون تحفظ. وزير خارجية يستخدم اليوم لغة "خط أحمر"، "إعادة ضبط شاملة" والتي كانت غير قابلة للتصور في هذا المنصب قبل عقد من الزمن.

غير أن هذا التحول لن يكتمل بين عشية وضحاها، ومن الخطأ المبالغة في تقدير مداه. لكن الاتجاه قد حُدّد، والاتجاهات كهذه لا تعود إلى الوراء.

بريطانيا ليست حالة شاذة في هذا السياق؛ بل هي مؤشر. ما يحدث في وستمنستر هو عقدة مرئية واحدة في إعادة تموضع أوروبية وغربية أوسع تجاه إسرائيل، إعادة تموضع تتسارع في عواصم كانت حتى وقت قريب تعتبر جامدة بنفس القدر. وهي تصل في الوقت الذي يحتاجه الفلسطينيون فيه أكثر من أي وقت مضى، بعد تدمير غزة وفي خضم ترسيخ الاستيطان في الضفة الغربية.

التوصيات:

في ضوء ما تقدم، توصي ورقة السياسات بما يلي:

1. استغلال نافذة الفرصة السياسية: يجب على الدبلوماسية الفلسطينية والعربية التعامل بجدية مع التحول البريطاني، وبناء تحالفات برلمانية وإعلامية لتعزيز الإجراءات المقترحة وتحويلها إلى تشريعات نافذة، وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية.

2. الضغط من أجل حظر شامل لا انتقائي: مطالبة الحكومة البريطانية بتطبيق حظر تجاري واستثماري كامل على جميع المستوطنات، وليس فقط على منتجاتها، ليشمل التمويل والتأمين والخدمات المالية والعقارية، وفقاً لتوصيات العفو الدولية.

3. ربط الملف البريطاني بالحراك الأوروبي: العمل على تنسيق الجهود مع الدول الأوروبية المؤيدة لفرض عقوبات على المستوطنات، واستثمار التوجه البريطاني لدفع الاتحاد الأوروبي نحو تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل أو تجميدها.

4. إدامة الضغط الإعلامي والقانوني: الاستمرار في توثيق انتهاكات الاحتلال في الضفة وغزة، وتغذية التقارير الحقوقية الدولية التي تشكّل المادة الخام للقرارات السياسية في بريطانيا، مع التركيز على البعد القانوني للضم والاستيطان.

5. تحذير الشركاء العرب من التطبيع المجاني: استثمار التغيير البريطاني لإعادة التأكيد على أن أي تطبيع عربي مع إسرائيل يجب أن يكون مشروطاً بوقف الاستيطان والعدوان، وأن التطبيع المجاني يُفقد العرب أوراق ضغطهم في عواصم مثل لندن.

6. الاستعداد لمرحلة ما بعد التحول: العمل على بناء علاقات مؤسسية مع أحزاب المعارضة والعمال البريطانية لضمان استدامة السياسات الجديدة حتى في حال تغير الحكومة، وعدم تركها رهناً بشخص وزير خارجية واحد.

• الورقة كتبت باللغة الإنجليزية وجرى ترجمتها الى العربية