حذّر الكاتب والمحلل السياسي الدكتور ذو الفقار سويرجو من التعامل مع التصريحات الإسرائيلية المتجددة بشأن تهجير سكان قطاع غزة باعتبارها مجرد دعاية انتخابية أو مناورة سياسية، مؤكداً أن ما يجري الحديث عنه يمثل، بحسب قراءته، مشروعاً حقيقياً ظل حاضراً في العقلية السياسية الإسرائيلية وينتظر الظروف المناسبة لتنفيذه.
وقال سويرجو، في تصريحات خاصة لقناة «الكوفية»، إن الحرب على قطاع غزة وما رافقها من عمليات قتل وتدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمرافق، لا يمكن فصلها عن هدف أكبر يتمثل في دفع الفلسطينيين إلى فقدان الأمل في البقاء وإعادة بناء حياتهم على أرضهم.
وأوضح أن حجم الدمار الذي لحق بالقطاع جعل الحديث عن إعادة الإعمار شديد التعقيد، مشيراً إلى أن الفلسطيني الذي يعيش تفاصيل المشهد يومياً يدرك حجم التدمير المنهجي الذي طال كل مكونات الحياة في غزة.
وأضاف أن قراءة مسار الحرب منذ بدايتها تقود، وفق تقديره، إلى استنتاج واحد، وهو أن هناك محاولة لخلق واقع يجعل سكان القطاع أمام خيارات قاسية، وصولاً إلى دفعهم نحو الرحيل عن أرضهم.
وأشار سويرجو إلى أن إسرائيل، رغم كل ما استخدمته من قوة خلال الحرب، لم تنجح في تحقيق هدف إفراغ القطاع من سكانه، مؤكداً أن الفلسطينيين ما زالوا متمسكين بأرضهم رغم حجم القتل والدمار والمعاناة.
العائق ليس الفلسطينيين.. بل الدول المستقبِلة
وفي أخطر ما ورد في تصريحاته، أكد سويرجو أن المشروع الإسرائيلي، من وجهة نظره، لا يصطدم حتى الآن بغياب الرغبة الإسرائيلية في تنفيذه، وإنما بالعامل الخارجي وعدم العثور على دول مستعدة لاستقبال الفلسطينيين الذين يراد تهجيرهم.
وقال إن البحث الإسرائيلي انتقل من مرحلة طرح الفكرة إلى البحث في آليات التنفيذ والمخارج العملية، مشيراً إلى ما يتردد داخل إسرائيل بشأن وجود تصورات وخطط تتعلق بمستقبل سكان قطاع غزة وإمكانية نقلهم إلى خارج القطاع.
وشدد على أن التعامل مع القضية باعتبارها مجرد مادة انتخابية سيكون خطأً، لأن فكرة اقتلاع الفلسطيني من أرضه، بحسب سويرجو، لا ترتبط فقط بحزب أو حكومة بعينها، بل تحظى بحضور واسع داخل البيئة السياسية الإسرائيلية.
وأضاف أن الخلاف داخل إسرائيل لا يعني بالضرورة وجود اختلاف جوهري حول النظرة إلى الفلسطينيين، مؤكداً أن وجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرضه بات يُنظر إليه داخل قطاعات واسعة من المجتمع السياسي الإسرائيلي باعتباره التحدي الأساسي للمشروع الإسرائيلي.
مصر تقف أمام أخطر سيناريو
وفيما يتعلق بإمكانية تنفيذ مخطط التهجير على الأرض، اعتبر سويرجو أن الموقف المصري يمثل أحد أهم العوائق أمام السيناريوهات المطروحة، مؤكداً أن القاهرة ترفض أي محاولة لتحويل قضية التهجير إلى واقع جديد.
لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن التفكير الإسرائيلي لا يقتصر على معبر رفح أو الحدود المصرية، مشيراً إلى وجود احتمالات وبدائل أخرى قد يجري التفكير فيها.
وتحدث عن سيناريوهات تتعلق باستخدام البحر ونقل السكان عبر موانئ أو منشآت عائمة، إلى جانب احتمالات فتح مسارات جوية عبر المطارات الإسرائيلية، أو البحث عن طرق أخرى يمكن أن تؤدي إلى إخراج الفلسطينيين من قطاع غزة.
كما أشار إلى أن بعض الأصوات الإسرائيلية أعادت خلال الفترة الأخيرة طرح أفكار تتعلق بالأردن، في إطار نقاشات أوسع حول مستقبل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
التهجير.. مشروع يبحث عن منفذ
وختم سويرجو حديثه بالتأكيد على أن أخطر ما في التصريحات الإسرائيلية الحالية هو أنها تكشف استمرار البحث عن منفذ عملي لتنفيذ مشروع التهجير، مشدداً على أن القضية لم تعد مجرد تصريحات عابرة، بل ترتبط بالبحث عن بيئة سياسية وإقليمية ودولية تسمح بتحويل الفكرة إلى واقع.
وبين دمار غير مسبوق طال قطاع غزة، وتصريحات إسرائيلية لا تتوقف عن الحديث عن «مغادرة» السكان، يبقى السؤال الأخطر: هل كان تدمير غزة مجرد نتيجة للحرب، أم أن الحرب نفسها كانت جزءاً من محاولة صناعة واقع يدفع الفلسطيني إلى الرحيل؟