يتضح السلوك الإسرائيلي في غزة عوداً على ذي بدء للمشروع الإستراتيجي الذي كانت السنوات الثلاث الماضية عبارة عن عمليات تهيئة له، مرة بالنار ومرة بالمجاعة.
وما رأينا من وسائل إبادة ليس فقط للناس بل بشكل منظم وسط الفوضى العارمة جرت عمليات إعدام منظمة للمكان وللبنية التحتية وكل ممكنات البقاء في تلك المنطقة.
قلت لصديقي في غزة: لا تجتمع أنت والفئران في بيت واحد ولا في شارع واحد ولا مكان واحد ولا حي واحد.
ومن هنا لم يكن الإسرائيلي غبياً وهو يمنع سم الفئران، هذا لا علاقة باستخدامات عسكرية ولا يشكل مساساً بالأمن القومي بل إنه أشد خطورة لأنه يتعلق مباشرة بالمشاريع الإستراتيجية التي تتلخص جميعاً في التخلص من قطاع غزة.
فقد استغلت إسرائيل عملية السابع من أكتوبر لتنفيذ أخطر المشاريع أو المشاريع التي ندمت على عدم تنفيذها عام 1948 عندما اعترفت أن الدبابة الإسرائيلية يومها كان يجب أن تتوقف عند الحدود المصرية بعد أن تكون قد دفعت بالفلسطينيين نحو سيناء.
في النظام السياسي الإسرائيلي تنتقل الفاشية ومجموعات الترانسفير من الهامش للمركز وتعيد تفريخ ما يكفي من الأحزاب التي تعلن الترحيل كخيار طبيعي دون أن تكون ردة الفعل الدولية تتناسب مع الحد الأدنى من تلك السياسيات.
بتسلئيل سموتريتش - إيتمار بن غفير - آفي ماعوز - موشيه فاغلين، هؤلاء عينة من طاقم يعلن بلا تردد تبنيه للتهجير، مجموعة أحزاب تضع هذا الأمر كجزء من برامجها الانتخابية فإيتمار بن غفير يقول إنه سيضع تهجير غزة شرطاً لتشكيل أي حكومة قادمة، أما إسرائيل كاتس وزير الدفاع الذي يعتبر ظل نتنياهو الغبي والثرثار لا يستطيع كتم الأسرار كما حدث سابقاً يقول: «نخطط لتهجير سكان غزة وننتظر موافقة الولايات المتحدة لتحديد جهة نقلهم».
عميرة هاس كاتبة المقال في جريدة هآرتس تقول فيه: «في غزة اكتملت المهمة، شعب بين الموت والحياة يعيش على شكل تجمعات تعتمد على التبرعات» تلك كافية لقياس قدرة المكان على الاستمرار بالحياة بعد كل هذه الإزاحة الديمغرافية للمكان وبعد مطاردة أي مؤشرات حياة رغم بساطتها وقتلها وتحويل المكان لطارد، وهو كذلك إذ بات الإسرائيليون يرددون أن نسبة كبيرة من سكان القطاع تنوي مغادرته لحظة توفير ممر أو قدرة.
في التاسع والعشرين من حزيران الماضي تلقت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعليمات بوقف استخدام مصطلح «الهجرة الطوعية» التي كانت قد قررته حكومة اسرائيل عبر لجنة خاصة شكلتها لتهجير سكان قطاع غزة لصالح مصطلح «التنقل الحر».
كانت المفاجأة أن المشروع بدا حينها كأنه أزيح من التداول لكن يبدو أن المشاريع الإستراتيجية أكثر ثباتاً من أن يراقبها الفلسطينيون بتك الخفة التي تنبنى فيها السياسة لديهم على ما هو معلن وما يجري تداوله لا ما يجري طبخه وتلك معضلة.
مطلع كانون الثاني 2025 وقبل تسلم ترامب مفاتيح البيت الأبيض جرى اجتماع في عاصمة أوروبية بين أحد مستشاري نتنياهو وشخصية فلسطينية عرض عليها أن تكون حاكماً لغزة تدير لجنة مستقلة تنفيذاً لشعار «لا فتح ولا حماس»، واستشعاراً بالخطر قمنا كشخصيات قلقة على المشروع بإصدار بيان الـ 33 شخصية طالبنا فيها السلطة بسرعة الإعلان عن استعدادها للعمل في قطاع غزة كمنطقة تخضع لولايتها القانونية وفقاً للاتفاقيات الدولية. كنا نريد قطع الطريق على الحلول والمشاريع الإسرائيلية ماذا كانت ردة الفعل حينها ؟.
أما بالنسبة لحماس التي قرأت المسألة بعقل محدود كالعادة فقد قامت بجمع شخصيات توقع على بيان مضاد باعتبارها اليوم التالي، كأن المسألة مجرد تراشق بيانات كما يشبه نزاع الأطفال في روضة وهكذا ببيان نواجه استراتيجيات كبرى، أما السلطة الفلسطينية التي طارت فرحاً معتبرة أن هذا انتصار لها فكانت أقل شجاعة من التحرك خطوة واحدة في حين أن القطاع يقع في إطار غلاف السلطة ولم تدرك فداحة الأزمة ولا خطورة اللحظة ولم تتصرف باعتبارها المسؤولة عن القضية.
بعد ثلاثة أيام من الحرب ونوعية الضربات الإسرائيلية كان واضحاً أن المشروع أبعد من حماس وأبعد من أمن وأبعد من سلاح، فقد بدأ بضرب خزانات المياه وإعدام الحياة فسارعت بالقول لمقرب من الرئاسة الفلسطينية: المشروع تهجير قل للرئيس المسألة هذه المرة كبيرة وعليكم التحرك وإعلان مسؤولية السلطة عن غزة وطلب مساعدة العالم بتمكينكم فوراً، قال صديقي: سيقال إنه يستغل الحرب وجاء على الدبابة الإسرائيلية وهذه تمس بسمعة السلطة وفتح، قلت: لا يحتمل الأمر حساباتكم الصغيرة، سمعتك ليست أهم من تدمير المشروع الوطني وتهجير غزة. نأت السلطة بنفسها عن أي فعل لحماية غزة. وهكذا بين حرص السلطة على سمعتها ومحدودة التفكير لدى حماس التي كانت مسكونة بهاجس أن النخبة تريد تجريدها من سلطتها ضاعت غزة ومرت ثلاث سنوات من التعذيب تمهيداً لتحويل المكان إلى بيئة طاردة.
في ليلة ما قال الوزير الإسرائيلي أفرايم سنيه للوزير الفلسطيني فريح أبو مدين: «اضطررنا لتوقيع أوسلو والاعتراف بكم لأننا ارتكبنا خطأ أن الدبابة الإسرائيلية لم تقف عن حدود مصر عام 48 طاردة الفلسطينيين إلى سيناء وعلينا أن ندفع الثمن». ليجيء السابع من أكتوبر موفراً لها مناخات تصحح المسألة ...ويل للشعوب التي يديرها سياسيون لا علاقة لهم بالسياسة يتكفلون بإسدال الستار على مستقبلها.