فينتر يربك نتنياهو والخطر الحقيقي في تفكك اليمين
نشر بتاريخ: 2026/08/29 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 23:42)

في قراءة لما تتناوله وسائل الإعلام الإسرائيلية وما يجري في السياسة الإسرائيلية، فإن دخول عوفر فينتر إلى السباق الانتخابي يتجاوز مجرد ظهور حزب يميني جديد. فـ "عَمْخ يسرائيل" التي تعني "شعب إسرائيل"، حزب يميني متطرف ومسيحاني يقوده فينتر، العميد في الاحتياط والقائد السابق للواء غفعاتي، الذي ارتبط اسمه بمجزرة "الجمعة السوداء" في رفح خلال عدوان 2014، كما عُرف خلال العدوان بخطاب ديني استند إلى قراءات وتفسيرات تلمودية لتبرير الحرب. كما يدعو إلى تهجير الفلسطينيين من غزة وينكر حقهم فيها، بما يجعله قريباً من سموتريتش وبن غفير. ويضم حزبه شخصيات متطرفة، مثل دافيدي بن تسيون الذي دعا إلى محو حوارة. لذلك يشكل فينتر منافساً جديداً داخل اليمين، وقد أصبح خلال فترة قصيرة عاملاً مؤثراً في حساباته، إلى درجة دفعت بنيامين نتنياهو إلى مطالبة بن غفير وسموتريتش بالتوحد.

وفي خمسة من أصل ستة استطلاعات أُجريت منذ دخول فينتر السباق، تجاوز حزبه نسبة الحسم، وفق ما نشرته "هآرتس" فيما تشير المعطيات إلى أن الجزء الأكبر من أصواته يأتي من أحزاب الائتلاف. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية؛ لأن المشكلة التي يخلقها فينتر لنتنياهو ليست بالضرورة أنه يسحب أصواتاً مباشرة من الليكود، وإنما أنه يساهم في تفكيك الأصوات داخل المعسكر الذي يحتاجه نتنياهو لتشكيل الحكومة.

وهنا تظهر المفارقة التي أشار إليها محلل الشؤون الحزبية في هآرتس يوسي فيرتر: فينتر أعلن أنه سيوصي بنتنياهو لرئاسة الحكومة، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح أحد العوامل التي تمنع نتنياهو من العودة إليها.

فإذا بقي فينتر فوق نسبة الحسم، وبقي سموتريتش وبن غفير في سباق منفصل، فإن المنافسة داخل اليمين قد تتحول إلى مشكلة انتخابية حقيقية. ليس لأن اليمين يفقد بالضرورة قوته الشعبية، وإنما لأن أصواته قد تتوزع على عدد أكبر من الأحزاب، بما يرفع احتمال ضياع أصوات تحت نسبة الحسم ويجعل تشكيل ائتلاف يميني أكثر صعوبة.

من هنا يمكن فهم تحرك نتنياهو للدفع نحو توحيد بن غفير وسموتريتش. فالرسالة ليست فقط "وحدة اليمين"، وإنما منع هدر أصواته. وهذا يعني أن نتنياهو بدأ يتعامل مع فينتر بوصفه مشكلة انتخابية يجب احتواؤها، حتى لو كان فينتر نفسه يعلن ولاءه له.

لكن الصورة لا تكتمل من اليمين وحده. ففي المقابل، يبرز غادي أيزنكوت بوصفه التحدي المقابل لنتنياهو. فالمطلوب منه ليس فقط أن يتقدم في الاستطلاعات، وإنما أن ينجح في تنظيم معسكر قادر على تحويل ضعف الائتلاف إلى بديل حكومي حقيقي.

وهذه نقطة أساسية: سقوط نتنياهو لا يعني تلقائيًا وصول أيزنكوت إلى الحكم. فقد يتراجع اليمين، لكنه يستطيع البقاء في السلطة إذا عجز خصومه عن بناء كتلة بديلة قادرة على تشكيل الحكومة.

لذلك تبدو المعركة الانتخابية في هذه المرحلة وكأنها تجري على جبهتين متوازيتين: نتنياهو يحاول منع تفكك اليمين والحفاظ على أصواته، بينما يحاول أيزنكوت تنظيم المعسكر المقابل وتحويل التشتت في معسكر نتنياهو إلى أغلبية بديلة.

وهنا يصبح فينتر عنصراً مهماً في المعادلة، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يتصورها البعض. فهو قد يكون جزءاً من معسكر نتنياهو سياسياً وأيديولوجياً، لكنه قد يعمل انتخابياً على إضعاف قدرة هذا المعسكر على تشكيل الحكومة.

وهذا يقود إلى سؤال أكبر: هل دخول فينتر سيعيد توحيد اليمين أم سيزيد تفككه؟

إذا نجح نتنياهو في جمع بن غفير وسموتريتش، فقد يقلل من خطر ضياع الأصوات. أما إذا بقي فينتر فوق نسبة الحسم واستمر في جذب أصوات من أحزاب الائتلاف، فإن مشكلة نتنياهو لن تختفي، بل ستصبح أكثر تعقيدًا.

وفي هذه الحالة، قد تكون المفارقة السياسية الأكبر أن حزباً يعلن منذ لحظة تأسيسه أنه سيوصي بنتنياهو، يصبح أحد أسباب عدم قدرته على تشكيل حكومة.

لكن هناك جانباً آخر أكثر حساسية في المشهد. فنتنياهو لا يواجه فقط خطر فقدان بعض المقاعد، وإنما خطر خسارة الحكم نفسه. ولهذا تكتسب قراءة فيرتر أهمية، خصوصاً عندما يربط بين خوف نتنياهو من خسارة السلطة وبين سلوكه السياسي خلال الفترة المتبقية حتى الانتخابات.

هنا يجب التمييز بين ما نعرفه وما نستنتجه. نعرف أن نتنياهو يسعى إلى توحيد شركائه في اليمين، وأن حزب فينتر يتجاوز نسبة الحسم في معظم الاستطلاعات الأخيرة، وأن أيزنكوت أصبح منافسًا مركزياً. لكن لا يمكن الجزم بعد بأن هذه التطورات ستؤدي إلى خسارة نتنياهو.

أما ما يمكن استنتاجه فهو أن المعركة لم تعد فقط بين نتنياهو وأيزنكوت، وإنما أصبحت أيضًا معركة داخل اليمين نفسه على توزيع الأصوات وعلى من يملك القدرة على تشكيل الحكومة بعد الانتخابات.

وهذا ربما هو التطور الأهم في هذه المرحلة: نتنياهو الذي اعتاد أن يستفيد من تماسك اليمين، يجد نفسه الآن مضطرًا إلى إدارة تعدد القوى داخله؛ سموتريتش وبن غفير من جهة، وفينتر من جهة أخرى، بينما يحاول أيزنكوت استثمار هذا التشتت وبناء بديل.

لذلك، فإن السؤال خلال الأسابيع المقبلة لن يكون فقط: كم مقعداً سيحصل فينتر أو أيزنكوت أو الليكود؟

بل: من أين تأتي هذه المقاعد، وإلى أين تذهب الأصوات التي يخسرها كل طرف، وهل تتحول هذه التحولات في النهاية إلى تغيير في الخريطة الائتلافية أم تبقى مجرد إعادة توزيع داخل المعسكرات؟ هذه هي النقطة التي تستحق المتابعة حتى يوم الانتخابات.