اثنا عشر عامًا على رحيل الجسد وبقاء القصيدة
نشر بتاريخ: 2026/08/19 (آخر تحديث: 2026/08/19 الساعة: 10:32)

يصادف يوم الأربعاء، 19 آب/أغسطس 2026، الذكرى الثانية عشرة لرحيل شاعر المقاومة الفلسطينية سميح القاسم، الذي غاب جسده في عام 2014، بينما بقي صوته حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية، وبقيت قصيدته شاهدة على زمن طويل من الصمود والانتماء للأرض والهوية.

رحل الجسد وتوارى تحت التراب، وحلّقت الروح في فضاء الوطن، لكن سميح القاسم لم يغادرنا تمامًا؛ فما زالت كلماته تطوف بين فلسطين والشتات، وما زال صوته يرن في أرجاء المعمورة، في وجدان الذين عرفوا الشعر مقاومة، والقصيدة موقفًا، والكلمة عهدًا لا يسقط بالتقادم.

وُلد سميح القاسم عام 1939 في مدينة الزرقاء بالأردن، وعاد مع عائلته إلى قريته الرامة في الجليل عام 1941، حيث تلقى تعليمه الأول، ثم تابع دراسته في الناصرة. ومنذ سنواته المبكرة بدأ يكتب الشعر، حتى صدرت مجموعته الأولى «مواكب الشمس» عام 1958، وهو في التاسعة عشرة من عمره، ثم توالت أعماله الشعرية والنثرية والمسرحية، حتى أصبح واحدًا من أبرز شعراء المقاومة الفلسطينية والعربية.

لم يكن القاسم شاعرًا يقف على هامش الأحداث؛ فقد عاش قضيته، ودفع ثمن مواقفه الوطنية والسياسية. عمل في التعليم والصحافة، وتعرض للاعتقال، ورفض حمل السلاح في الخدمة العسكرية الإسرائيلية، كما شارك في الحياة الثقافية والسياسية للعرب الفلسطينيين في الداخل.

كان سميح القاسم أحد أعمدة الشعر العربي المعاصر، وأحد أبرز شعراء المقاومة الفلسطينية. حملت قصائده معاني التمسك بالأرض والهوية، والاعتزاز بالانتماء، والإنسانية التي تتجاوز حدود الجغرافيا. وتحولت بعض قصائده إلى أغانٍ وأناشيد، ورددتها الحناجر في فلسطين وخارجها.

وفي قصيدته «تقدّموا» يصرخ بصوت الشاعر المقاوم:

«تقدّموا... تقدّموا... كلُّ سماءٍ فوقكم جهنّمُ»

بيت شعري تختصر فيه القصيدة روح المواجهة، وتكشف عن شاعر لم يرَ الشعر ترفًا، بل رأى في الكلمة موقفًا، وفي القصيدة خندقًا، وفي الحرف ذاكرةً تقاوم النسيان.

اثنا عشر عامًا مضت، وقد تخون الأيام ذاكرتنا، لكنها لا تستطيع أن تطفئ ذكرى شاعر ترك خلفه وطنًا من الكلمات. فهناك شعراء يموتون حين تتوقف أقلامهم، وهناك شعراء تبدأ حياتهم الحقيقية بعد الرحيل؛ وسميح القاسم من أولئك الذين بقيت قصائدهم تمشي بين الناس.

حروف كلماته ما زالت تتكئ على حافة نهر المعاني، وكلما اشتدت المحن عادت قصيدته لتطرق أبواب الذاكرة، وكأنها تقول لنا إن الوطن ليس خريطة فحسب، بل ذاكرة وهوية وحكاية تُورَّث من جيل إلى جيل.

تخون الأيام، لكن الذكرى حاضرة في عقول وقلوب وأرواح من أحبوا سميح القاسم. فغاب الرجل، وبقي الشاعر؛ غاب الجسد، وبقيت القصيدة؛ وغاب الصوت عن الحياة، لكنه ما زال حاضرًا في وجدان وطنٍ لم يتوقف عن كتابة حكايته.

نم قرير العين يا سميح القاسم؛ فقد افترقنا عنك جسدًا، لكن سمتك النضالية، وطيب كلماتك، وشعرك المقاوم، ما زالت تداعب قلب الثورة الفلسطينية، وتمنح الأجيال الجديدة شيئًا من القوة لمواصلة الطريق.

سنكمل المشوار، وستبقى على خارطة الوطن حاضرًا بين الكتّاب والروائيين والشعراء، وستظل قصيدتك درعًا من دروع الرواية الفلسطينية، وشاهدًا على أن الكلمة قد تكون أقوى من السلاح، وأن الشاعر حين ينحاز إلى وطنه يصبح جزءًا من ذاكرته الخالدة.

رحم الله سميح القاسم، شاعر المقاومة، الذي رحل عن الدنيا وبقيت فلسطين تسكن قصيدته، وبقيت قصيدته تسكن فلسطين.