الخيال الأمريكي والحرب على إيران.. وعصابة إبستين التي جعلت من أمريكا أضحوكة العالم بقيادة المهرج ترمب
نشر بتاريخ: 2026/08/17 (آخر تحديث: 2026/08/17 الساعة: 15:46)

في السياسة، حين تختلط القوة بالغرور، وتتحول الحرب إلى استعراض، يصبح السؤال أكبر من الحرب نفسها: هل نحن أمام استراتيجية لدولة عظمى، أم أمام حفلة سيرك سياسي يقودها المهرجون والبهلوانيون؟

الحرب الأمريكية على إيران تقدم نموذجًا صارخًا لهذا السؤال. بدأت تحت عنوان منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ثم اتسعت أهدافها إلى الصواريخ والنفوذ الإقليمي ومضيق هرمز، قبل أن تعود واشنطن إلى لغة التفاوض والبحث عن مخرج سياسي.

وهنا يحضر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، صاحب الاتفاق النووي مع إيران، بوصفه شاهدًا سياسيًا على الفرق بين الدبلوماسية والحرب. فقد دافع أوباما عن الاتفاق الذي أبرمته إدارته عام 2015، مؤكدًا أن الدبلوماسية كانت البديل الأفضل عن العمل العسكري، وأن الاتفاق وضع قيودًا ورقابة دولية على البرنامج النووي الإيراني.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت واشنطن تعود في نهاية المطاف إلى التفاوض، فلماذا كان لا بد من كل هذه النار والدمار والخسائر؟

المفارقة أن الإدارة الأمريكية الحالية جعلت منع إيران من امتلاك سلاح نووي عنوانًا رئيسيًا لسياستها، بينما تحولت الحرب إلى ملف مفتوح تتغير معه الأهداف من النووي إلى الصواريخ، ومن الصواريخ إلى النفوذ، ومن النفوذ إلى السيطرة على مضيق هرمز.

وهنا يصبح الخيال الأمريكي أكثر خطورة من الخيال الأدبي؛ فالكاتب يستطيع أن يمحو روايته ويبدأ من جديد، أما الدولة العظمى عندما تحول خيالها السياسي إلى صواريخ وحصار وقواعد عسكرية، فإن شعوب المنطقة هي التي تدفع الثمن.

ولعل أكثر المشاهد إثارة للجدل تصريحات ترمب الأخيرة بشأن مضيق هرمز، بعدما تحدث عن إمكانية جعل المضيق جزءًا من الأراضي الأمريكية بعد انتهاء المواجهة مع إيران، في وقت ما زالت فيه حركة الملاحة عبر هذا الشريان العالمي مضطربة، والمفاوضات متعثرة.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بإيران وحدها، بل بمفهوم القوة والسيادة في العالم: هل تستطيع دولة أن تجعل ممرًا مائيًا دوليًا جزءًا من أراضيها بمجرد إعلان سياسي؟

إنها صورة تختصر كثيرًا من المشهد؛ رئيس يتحدث بلغة القوة، ومضيق يتحول إلى ورقة حرب، وأسواق عالمية تراقب أسعار الطاقة، وشعوب عربية تقف في قلب العاصفة.

أما ترمب، فقد أصبح بالنسبة إلى منتقديه نموذجًا للسياسي الذي يحول السياسة إلى عرض جماهيري، والحرب إلى خطاب انتخابي، والتهديد إلى وسيلة لإدارة الأزمات. ومن هنا يأتي وصفه في هذا المقال بـ«المهرج ترمب»؛ ليس باعتباره مجرد شتيمة، وإنما باعتباره صورة سياسية لمرحلة أصبح فيها الاستعراض جزءًا من صناعة القرار.

ثم يأتي ملف جيفري إبستين ليضيف طبقة أخرى إلى أزمة الثقة داخل السياسة الأمريكية. فقد تحول الملف إلى قضية سياسية وإعلامية واسعة، وأصبح الحديث عنه جزءًا من الصراع الحزبي والانتخابي في الولايات المتحدة، بما يطرح أسئلة صعبة حول النفوذ والمال والعلاقات والشفافية.

وهنا يحق لنا أن نسأل: هل أصبحت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فرصة أخيرة أمام الناخب الأمريكي لمحاسبة الطبقة السياسية على الحروب والأزمات والملفات التي هزت صورة الولايات المتحدة؟

فالانتخابات الأمريكية لا تجري في فراغ. الحرب على إيران، وأسعار الوقود، والاقتصاد، وملف إبستين، كلها يمكن أن تتحول إلى أوراق في المعركة الانتخابية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

لكن بعيدًا عن الصراع الداخلي الأمريكي، يبقى السؤال الأخطر بالنسبة إلينا نحن العرب: ماذا عن الشرق الأوسط؟

نستحضر هنا المقولة العربية الشهيرة: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».

فحين تتفرق القوى، ويغيب الموقف الجماعي، تصبح المنطقة كلها قابلة لأن تكون جزءًا من لعبة أكبر من حدودها. اليوم إيران، وغدًا دولة أخرى، وبعد غدٍ قد يكون الدور على طرف عربي جديد.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول الشرق الأوسط إلى «الشرق الأبيض»؛ شرق تتحكم في مساراته قنوات النفوذ الكبرى، ويصبح البيت الأبيض أحد أهم مراكز التأثير في قراراته السياسية والأمنية والاقتصادية.

فالبيت الأبيض لا يحكم العالم وحده، لكنه يملك أدوات هائلة للتأثير في العالم: السلاح، والاقتصاد، والعقوبات، والتحالفات، والإعلام، والمؤسسات الدولية.

وإذا تركت شعوب المنطقة مصيرها رهينة لهذه المعادلات، فإنها ستظل تدفع ثمن حروب لا تصنع قراراتها.

«يا ما في الجراب يا حاوي»، ولا ندري ماذا يخبئ القدر لشعوبنا العربية في المرحلة المقبلة.

لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل المزيد من الحروب التي تبدأ بشعارات كبرى، ثم تنتهي بالبحث عن اتفاق على طاولة المفاوضات.

فالحرب التي لا تعرف كيف تبدأ، ولا تعرف كيف تنتهي، تتحول إلى فخ تاريخي.

ولعل المأساة الكبرى ليست أن العالم يشاهد المهرجين، وإنما أن بعض المهرجين أصبحوا يمسكون بأزرار الحرب، بينما يقف المواطنون في آخر الصف، يدفعون ثمن العرض من دمائهم ولقمة عيشهم ومستقبل أبنائهم.

وليس الفلسطينيون والعرب وحدهم ضحايا هذا السيرك العالمي؛ فهناك شعوب كثيرة في العالم دفعت، وما زالت تدفع، ثمن تذكرة هذا العرض العبثي من أمنها واستقرارها واقتصاداتها وأحلام أطفالها.

فالحروب لا تبقى محصورة في حدودها؛ إنها تنتشر مثل بقعة زيت محروق على وجه العالم، تتمدد من منطقة إلى أخرى، وتلوث السياسة والاقتصاد والأمن، حتى يصبح العالم كله أسيرًا لنتائج قرارات اتخذها قلة من أصحاب القوة والنفوذ.

إنها بقعة لا تتوقف عند فلسطين أو إيران أو المنطقة العربية، بل تتسع كلما أُشعلت حرب جديدة، وكلما تحولت مصالح الدول الكبرى إلى نار تحترق بها الشعوب.

فمن يدفع ثمن تذكرة السيرك العالمي؟

إنهم نحن... الفلسطينيون، والعرب، وسائر شعوب العالم التي وجدت نفسها تدفع ثمن حروب لم تخترها، وصراعات لم تشعلها، وقرارات لم تشارك في صناعتها.

وهنا تبقى الحقيقة الأكثر مرارة: المشكلة ليست أن العالم يشاهد المهرجين، بل أن المهرجين يمسكون بأزرار الحرب، بينما الشعوب هي التي تدفع ثمن العرض.

فهل كانت الحرب على إيران حربًا من أجل الأمن، أم حربًا على الأمن؟

وهل آن للعالم أن يدرك أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، وإنما في القدرة على منعها وإطفائها قبل أن تتحول النار إلى حريق عالمي لا يستطيع أحد السيطرة عليه؟