بين الملائكية والشيطانية.. كيف يتحول الإنسان بعد تولّي المنصب؟
نشر بتاريخ: 2026/08/08 (آخر تحديث: 2026/08/08 الساعة: 23:13)

لو جئنا بأي إنسان من الشارع الفلسطيني، ووضعناه أمام اختبار السلطة والمنصب، فهل يبقى كما كان؟ أم أن المنصب قادر على تغيير ملامحه، وتبديل أولوياته، وربما تحويله من إنسان بسيط قريب من الناس إلى شخص تحيط به الحواجز والمسافات؟

السؤال ليس عن الملائكة والشياطين بمعناهما الديني، بل عن الإنسان حين تُفتح أمامه أبواب النفوذ، وتصبح المسؤولية اختباراً حقيقياً للأخلاق والضمير.

أحياناً لا يكون الإنسان هو الذي يتغير، بل تكشف السلطة ما كان مختبئاً في داخله. فحين تتحول «الأنا العليا» إلى تقديس للذات، تصبح أحد أسباب الألم، وتبدد الأمل بمستقبل طالما داعب أحلام الشعب الفلسطيني.

إن تفضيل فئة على أخرى، وتقديس الذات على حساب الآخرين، وصناعة الامتيازات، كلها معادلات تنتج الظلم وتعمّق غياب العدالة. وفي المقابل، قد تقود حالة الضعف والخوف والفقر إلى الانبطاح السياسي، فيفقد الإنسان قدرته على قول «لا»، ويصبح الصمت وسيلة للنجاة.

لقد أرهقتنا سنوات الاحتلال والانقسام والخوف والحاجة، وربما ساهمت هذه الظروف القاسية في تشويه بعض القيم، حتى أصبح المواطن أحياناً ممزقاً بين ما يؤمن به وما يستطيع فعله. لكن هل يمكن أن نحمّل الظروف وحدها مسؤولية هذا التحول؟ أم أن غياب التربية الوطنية والأخلاقية، وتهتك حبال الفضيلة، جعلا المجتمع يتأرجح على أرجوحة الشياطين؟

وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل يستطيع الشيطان البشري أن يعود ملاكاً؟

ربما يستطيع، إذا أدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الكرسي لا يمنح صاحبه قيمة أكبر من قيمة الإنسان الذي يقف أمامه، وأن المسؤول الحقيقي هو من يزداد تواضعاً كلما ازدادت سلطته.

أتذكر صديقاً كان قيادياً، كنت أسمع همسات صوته عبر الهاتف ووسائل التواصل، ونتبادل أطراف الحديث حول مستقبل الوطن، ونختلف أحياناً ونتفق كثيراً، لكن حبل الود كان ممتداً.

بعد أن تولّى منصباً رفيعاً، تغيّر كل شيء. أصبح هاتفه يرن طويلاً، ثم صار صامتاً، وإن أجاب، جاء الرد بمزاجية المسؤول لا بعفوية الصديق.

وهكذا، قد تقطع المناصب القيادية أحياناً حبل الود والوداد، لا لأن الإنسان أصبح أكثر أهمية، بل لأنه بدأ يعتقد أن المسافة بينه وبين الناس جزء من هيبة المنصب.

لكن المسؤولية لا تنتهي عند الفصائل والتنظيمات. فالمواطن أيضاً شريك في حراسة الوطن، وحراسة الوطن لا تكون بالسلاح وحده، بل بالوعي، والأخلاق، والقدرة على رفض الظلم، ومحاسبة المسؤول، والدفاع عن الحق دون خوف.

أما الفصائل الفلسطينية، فإن أضعف الإيمان أن تبدأ بنفسها، بهياكلها وخطابها وممارساتها، وأن تعيد بناء الإنسان قبل بناء التنظيم؛ فالأزمة ليست سياسية فقط، وإنما هي أزمة أخلاق وثقافة ووعي أيضاً.

فلسطين لا تحتاج إلى ملائكة فوق الكراسي، ولا إلى شياطين خلف المكاتب؛ إنها تحتاج إلى بشر يتذكرون أنهم جاءوا من الناس، وأن المناصب زائلة، وأن الوطن باقٍ.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: كيف يتحول الإنسان إلى شيطان بعد المنصب؟

بل السؤال الأهم: كيف نحمي الإنسان من أن يفقد إنسانيته عندما يصبح مسؤولاً؟

فحين يصبح المنصب امتحاناً للضمير، لا ينبغي أن يكون النجاح فيه بعدد المكاتب والحراس، بل بعدد القلوب التي بقيت قريبة، والحقوق التي حُفظت، والكرامة التي لم تُمس.

فالوطن الذي يبحث عن مستقبله، يحتاج إلى مسؤولين يحرسون الإنسان قبل أن يحرسوا الكرسي.