بين الصمود والديمقراطية: هل تنجح الهيئة الوطنية في استعادة البوصلة الفلسطينية؟
نشر بتاريخ: 2026/07/13 (آخر تحديث: 2026/07/13 الساعة: 13:42)

في مخيم منتزه النخيل على شاطئ بحر غزة، وفي ضيافة المستشار الدكتور أحمد يوسف، أُعلن عن انطلاق الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية، في لحظة استثنائية يعيشها الشعب الفلسطيني تحت وطأة الحرب والنزوح والانقسام السياسي وتراجع الثقة بالعديد من الأطر والمؤسسات الوطنية.

لم تأتِ فكرة الهيئة من فراغ، ولا وُلدت في قاعات السياسة المغلقة، بل خرجت من رحم المعاناة الفلسطينية، وسط لهيب الخيام وحرارة الشمس التي لا تقرأ تفاصيل حياة النزوح، ومن بين ركام الحرب وغبارها وضوضائها ورائحة البارود التي سرقت من الناس أمنهم واستقرارهم. هناك اجتمع أكاديميون وإعلاميون ومثقفون وشخصيات وطنية ومجتمعية من خلفيات متعددة، بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية الضيقة، مؤكدين أن مشاركتهم جاءت بصفتهم الوطنية والاعتبارية، إيمانًا منهم بأن الوطن أكبر من الانتماءات التنظيمية، وأن المرحلة تتطلب شراكة وطنية حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وشهد اللقاء تلاوة البيان التأسيسي الأول للهيئة، والإعلان عن وثيقة العهد الوطني التي دعت إلى تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وترسيخ الشراكة الوطنية، والتمسك بالديمقراطية والتعددية، والعمل ضمن المظلة الوطنية الجامعة، بما يعزز وحدة الصف الفلسطيني.

وفي مداخلاتهم، أكد المشاركون أهمية الانتقال من دائرة التشخيص إلى دائرة الفعل. فرحب هاني أبو عكر بالمبادرة، فيما تحدث الدكتور خالد موسى عن الحاجة إلى خطة وطنية عملية لتعزيز صمود شعبنا في مواجهة تداعيات الحرب. كما شدد الأخ عصام أبو دقة على ضرورة أن تكون الهيئة جزءًا من الحراك الوطني الفلسطيني، ورافدًا يعزز صمود المجتمع، بعيدًا عن حالة الجمود التي أصابت بعض الأجسام السياسية، مؤكدًا أن الطريق ليس سهلًا، لكنه يستحق الإخلاص والوفاء للبرنامج الوطني.

كما طُرح سؤال مهم حول دور الهيئة في ظل المتغيرات السياسية القادمة، وإمكانية التعاون مع أي لجان أو هيئات وطنية قد تُشكَّل خلال المرحلة المقبلة، على قاعدة الشراكة والتكامل وخدمة المصلحة الوطنية العليا.

لقد جاءت الهيئة نتيجة عصف فكري بين نخب فلسطينية تساءلت بصدق: ماذا يمكننا أن نفعل في هذه المرحلة العصيبة؟ وكيف يمكن حماية الكرامة الفلسطينية التي تعرضت لانتهاكات جسيمة خلال الحرب؟ وكيف يمكن تحويل ما تبقى من الطاقات الاجتماعية والتنظيمية والسياسية والتعليمية والنفسية إلى قوة وطنية تسند صمود الناس وتمنحهم الأمل؟

ومن المهم التأكيد أن الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية لا تقدم نفسها بوصفها حزبًا سياسيًا جديدًا أو إطارًا سياسيًا منافسًا للقوى الوطنية القائمة، بل كمبادرة مجتمعية وطنية تسعى إلى العمل مع الجميع دون استثناء، انطلاقًا من قناعة بأن المرحلة الراهنة تتطلب تكامل الجهود لا تعدد الانقسامات. فهدفها المعلن يتمثل في صيانة الوحدة الوطنية، وتعزيز صمود المواطنين، والدفاع عن كرامتهم، وتوجيه الطاقات المجتمعية والأكاديمية والإعلامية نحو خدمة الإنسان الفلسطيني وقضيته العادلة.

ومن بين القضايا المهمة التي طرحت، برزت الحاجة إلى بناء قواعد بيانات ومعلومات مركزية تخدم العمل الإغاثي والإعلامي، وتساعد في تحقيق العدالة بين النازحين، إلى جانب إجراء دراسات ميدانية وبحوث اجتماعية دقيقة لاحتياجات مخيمات النزوح، بما يضمن توجيه الجهود وفق الأولويات الحقيقية للمواطنين.

كما أكد الحضور أهمية دور المرأة الفلسطينية والشباب باعتبارهما من أهم ركائز الصمود الوطني. فالمرأة الفلسطينية كانت خلال الحرب عنوانًا للصبر والعطاء وحماية الأسرة والمجتمع، فيما يمثل الشباب طاقة المستقبل التي يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار الوطني.

غير أن السؤال الأبرز الذي بقي حاضرًا هو: هل تنجح الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية في ترسيخ الديمقراطية داخل أطرها المستقبلية؟

هذا السؤال لا يتعلق بالهيئة وحدها، بل يعكس أزمة أعمق عاشتها الساحة الفلسطينية، حيث أدى غياب الديمقراطية وتراجع المشاركة الشعبية إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالشعب الفلسطيني لا يبحث فقط عن أسماء جديدة، بل عن ثقافة سياسية جديدة تقوم على الشفافية والشراكة واحترام الرأي الآخر وتكافؤ الفرص في تحمل المسؤولية الوطنية.

وهنا يحضر ما أشار إليه الإعلامي الفلسطيني ناصر اللحام عندما قال إن الشعب الفلسطيني هو الذي يستحق فرصة أخرى، وليس التنظيمات الفلسطينية التي استنفدت كثيرًا من فرصها. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية الهيئة وأي أطر وطنية جديدة لا تكمن في إعادة إنتاج أخطاء الماضي، بل في تجاوزها، وبناء نموذج مختلف يكون فيه المواطن أساس المشروع الوطني لا مجرد متلقٍ للقرارات.

ويبدو توقيت إطلاق الهيئة مناسبًا في ظل ما أصاب أجزاء من البنية التنظيمية والسياسية الفلسطينية من ضعف وترهل، وفي ظل الحاجة إلى مبادرات جديدة تعيد توجيه البوصلة نحو الإنسان الفلسطيني وقضاياه الحقيقية. فالوطن لا يُبنى بالإقصاء، ولا تُحمى القضية بالانقسام، بل بالشراكة الوطنية التي تجعل من الاختلاف مصدر قوة وإثراء لا سببًا للفرقة.

والشارع الفلسطيني اليوم ينتظر ويترقب أداء الهيئة، ليس من باب إصدار الأحكام المسبقة، بل من باب الأمل والحاجة. فالناس الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والفقدان يريدون أن يروا نتائج ملموسة، وأن تتحول المبادرات الوطنية إلى برامج تلامس حياتهم اليومية، وتعزز صمودهم وتحفظ كرامتهم. كما يعلق كثيرون آمالًا على الهيئة ومؤسسيها، وفي مقدمتهم المستشار الدكتور أحمد يوسف، وعلى جميع الأعضاء المؤسسين، في أن يقدموا نموذجًا وطنيًا يعزز الثقة ويكرس الشراكة والديمقراطية، ويبتعد عن أخطاء التجارب السابقة التي أضعفت ثقة المواطن بالمؤسسات والأطر السياسية.

إن نجاح الهيئة لن يقاس بعدد البيانات التي تصدرها، ولا بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على الاقتراب من الناس، والاستماع إلى احتياجاتهم، وتحويل وثيقة العهد الوطني إلى عمل حقيقي ومبادرات عملية تسهم في تعزيز الصمود الوطني وصيانة الوحدة الفلسطينية.

فالوطن أكبر من التنظيمات والأشخاص، وأبقى من المراحل العابرة، وهو البوصلة التي يجب أن تهتدي بها كل المبادرات الوطنية الساعية إلى خدمة الإنسان الفلسطيني وصون كرامته وتعزيز صموده.

وكما قال الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان:

«وطنٌ يباع ويُشترى

وتصيح: فليحيا الوطن»

ومن هنا، نتمنى للهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية النجاح في تحقيق أهدافها وميثاقها الوطني، وأن تكون إضافة حقيقية للمشهد الفلسطيني، ومسارًا جديدًا يستفيد من دروس الماضي، ويؤسس لمرحلة عنوانها الشراكة والديمقراطية والوحدة الوطنية، وفاءً لتضحيات شعبنا وتمسكًا بحقه في الحرية والكرامة والحياة.