من رفح إلى السوربون.. حين ينتصر الفن الفلسطيني على الحرب
نشر بتاريخ: 2026/06/21 (آخر تحديث: 2026/06/21 الساعة: 14:44)

في زمنٍ تتزاحم فيه صور الدمار على شاشات العالم، وتتصدر أخبار الحروب والنزاعات المشهد اليومي، يخرج من بين الركام صوتٌ آخر أكثر قدرة على البقاء؛ صوت الفن. ذلك الصوت الذي لا يحمل سلاحًا ولا يرفع راية حرب، لكنه يمتلك قدرة استثنائية على اختراق الحدود والجدران والأسلاك الشائكة ليصل إلى ضمير الإنسانية. ومن قلب مدينة رفح الفلسطينية، المدينة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان للألم والصمود معًا، يطل الفنان والروائي الفلسطيني الدكتور كمال صبح ليكتب فصلاً جديدًا من فصول الحضور الفلسطيني في المحافل الثقافية العالمية، بعد فوزه بجائزة جامعة السوربون الفرنسية المرموقة عن لوحة سريالية تفوقت على أعمال فنية من دول أوروبية عريقة.

هذا الإنجاز لا يمكن قراءته بوصفه نجاحًا شخصيًا لفنان فلسطيني فحسب، بل باعتباره حدثًا ثقافيًا يحمل أبعادًا رمزية عميقة. فحين تتمكن لوحة خرجت من فلسطين، ومن رفح تحديدًا، من أن تفرض حضورها داخل واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم، فإن الأمر يتجاوز حدود المنافسة الفنية التقليدية ليصبح انتصارًا للثقافة الفلسطينية ذاتها، وللقدرة الإبداعية لشعب يواصل إنتاج الجمال رغم كل ما يحيط به من مآسٍ وتحديات.

لطالما كانت فلسطين حاضرة في الوعي العالمي من خلال الأخبار السياسية والصراعات العسكرية، لكن الفن الفلسطيني ظل يسعى باستمرار إلى تقديم صورة أخرى؛ صورة الإنسان المبدع القادر على تحويل الألم إلى لغة جمالية، والخسارة إلى مادة للتأمل، والمعاناة إلى رسالة إنسانية تتجاوز الجغرافيا والحدود. ومن هنا تكتسب تجربة كمال صبح أهميتها الخاصة، لأنها لا تنطلق من خطاب مباشر أو شعارات جاهزة، بل من رؤية فنية عميقة تحاول تفكيك مفهوم الحرب ذاته وفهم آثاره النفسية والإنسانية.

إن اختيار جامعة السوربون للوحة الفلسطينية لتكون الشعار الرسمي لمؤتمر دولي يحمل عنوان "تفكيك الحرب" ليس تفصيلاً عابرًا. فالمؤتمرات الأكاديمية الكبرى لا تبحث عادة عن الأعمال الفنية الجميلة فقط، بل عن الأعمال القادرة على إنتاج معنى جديد وإضافة فكرية تتقاطع مع موضوع الحدث. وهذا ما يبدو أن اللوحة الفلسطينية قد نجحت في تحقيقه؛ إذ استطاعت أن تقدم قراءة بصرية مركبة للحرب، لا باعتبارها حدثًا عسكريًا فقط، بل باعتبارها بنية نفسية واجتماعية وثقافية معقدة تترك آثارها العميقة في الأفراد والمجتمعات.

ولعل أكثر ما يميز الفن السريالي الذي اشتغل عليه الفنان كمال صبح هو قدرته على تجاوز ظاهر الأشياء والدخول إلى طبقاتها الخفية. فالسريالية ليست هروبًا من الواقع كما يعتقد البعض، بل محاولة لفهم الواقع بطريقة أكثر عمقًا، عبر كشف التوترات الكامنة في النفس البشرية، وإظهار ما تعجز اللغة المباشرة عن التعبير عنه. لذلك فإن الحرب في اللوحة السريالية لا تظهر فقط على هيئة دبابات أو انفجارات أو خرائط سياسية، بل تظهر بوصفها حالة نفسية ووجودية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.

من هنا يمكن فهم الإشادة التي حظيت بها اللوحة من قبل النقاد والمتخصصين، الذين رأوا فيها عملاً يجمع بين الحس الجمالي والبعد الفلسفي، وبين الرؤية الفنية والقدرة التحليلية. فالفنان لم يكتفِ بإنتاج صورة بصرية جذابة، بل قدم خطابًا فكريًا متكاملًا عبر اللون والرمز والتكوين، وهو ما منح العمل قيمة تتجاوز حدود اللوحة التقليدية.

وتزداد أهمية هذا الإنجاز إذا ما وضعناه في سياق المشهد الثقافي الفلسطيني الراهن. فالفنان الفلسطيني لا يعمل في ظروف طبيعية كتلك التي يعيشها كثير من الفنانين في العالم. إنه يبدع في بيئة مثقلة بالتحديات، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحيث يصبح الحفاظ على المساحة الإبداعية فعل مقاومة بحد ذاته. لذلك فإن كل نجاح فلسطيني على الساحة الدولية يحمل في داخله قصة كفاح طويلة لا تظهر بالضرورة في العناوين الصحفية المختصرة.

لقد أثبت الفلسطينيون عبر العقود أن الثقافة ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، بل هي أحد أهم أدوات البقاء والحفاظ على الهوية. ومن الشعر إلى الرواية، ومن المسرح إلى السينما، ومن الرسم إلى الموسيقى، ظلت الثقافة الفلسطينية تنتج خطابها الخاص وتدافع عن وجودها في مواجهة محاولات التهميش والإقصاء. ويأتي فوز كمال صبح ليؤكد مجددًا أن هذا الحضور الثقافي ما زال قادرًا على التجدد والتأثير والوصول إلى أهم المنصات العالمية.

وإذا كان العالم يعرف رفح اليوم بوصفها مدينة واجهت ظروفًا استثنائية وقاسية، فإن هذا الإنجاز يضيف بعدًا آخر لصورتها. فهو يذكر الجميع بأن المدن لا تُختزل في مآسيها، وأن الإنسان الذي يعيش تحت الضغط لا يفقد بالضرورة قدرته على الإبداع. بل إن كثيرًا من الأعمال الفنية الكبرى في التاريخ وُلدت من رحم المعاناة، لأن الألم حين يلتقي بالموهبة يتحول أحيانًا إلى طاقة خلاقة قادرة على إنتاج أعمال استثنائية.

كما أن تجربة كمال صبح تحمل رسالة مهمة للأجيال الفلسطينية الشابة. فالفوز في الساحات الدولية لا يحتاج فقط إلى الموهبة، بل يحتاج أيضًا إلى المثابرة والعمل الجاد والقدرة على تطوير الأدوات الفنية والفكرية. والنجاحات الثقافية الكبرى لا تُبنى في لحظة واحدة، بل هي ثمرة سنوات طويلة من البحث والتجريب والتعلم والتراكم المعرفي.

ومن اللافت أيضًا أن الفنان الفائز يجمع بين الكتابة الروائية والفن التشكيلي، وهو ما يمنحه مساحة أوسع للتعبير عن رؤاه الإنسانية والفكرية. فالرواية والرسم يلتقيان في نقطة جوهرية واحدة؛ هي محاولة فهم الإنسان والعالم. وحين يجتمع السرد الأدبي مع التعبير البصري في شخصية مبدعة واحدة، فإن ذلك ينعكس غالبًا على عمق التجربة الفنية وقدرتها على إنتاج معانٍ متعددة.

إن فوز لوحة فلسطينية في جامعة السوربون لا يمثل مجرد خبر ثقافي عابر، بل يعكس حقيقة أعمق تتعلق بمكانة الثقافة في تشكيل صورة الشعوب. فالدول لا تُعرف بقوتها العسكرية أو الاقتصادية فقط، وإنما تُعرف أيضًا بما تقدمه للإنسانية من إبداع وفكر وجمال. والثقافة قادرة في كثير من الأحيان على تحقيق ما تعجز عنه السياسة، لأنها تخاطب الإنسان مباشرة بعيدًا عن الحسابات الضيقة والانقسامات الأيديولوجية.

وفي عالم تتزايد فيه صور العنف والانقسام، تبدو الحاجة إلى الفن أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالفن ليس مجرد وسيلة للمتعة الجمالية، بل أداة لفهم الذات والآخر، وجسر للحوار بين الثقافات، ومساحة لإعادة التفكير في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والموت والحرب والسلام. ومن هذا المنظور فإن اللوحة التي اختارتها السوربون ليست مجرد عمل فني، بل مساهمة فكرية وإنسانية في نقاش عالمي حول معنى الحرب ومستقبل الإنسان.

وهكذا، من رفح التي تعرف جيدًا معنى الصمود، إلى باريس التي تحتضن واحدة من أعرق الجامعات العالمية، تمتد رحلة فنان فلسطيني استطاع أن يحول الريشة إلى رسالة، واللون إلى موقف، والفن إلى جسر يصل بين التجربة الفلسطينية والوجدان الإنساني العالمي. إنها قصة تؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر دائمًا على تجاوز الحواجز، وأن الثقافة الفلسطينية ما زالت تملك الكثير لتقوله للعالم، ليس بلغة الشكوى والضحية فقط، بل بلغة الإنجاز والتميز والحضور الخلاق. وعندما تنتصر لوحة فلسطينية في السوربون، فإن المنتصر الحقيقي ليس فنانًا واحدًا فحسب، بل ثقافة كاملة تواصل الدفاع عن حقها في الوجود والإبداع والتأثير.