ممارسة الغباء السياسي وتبعاته
نشر بتاريخ: 2026/06/17 (آخر تحديث: 2026/06/17 الساعة: 16:24)

 

يُقصد بمفهوم “الغباء السياسي” — أو ما يمكن تسميته بسوء تقدير القرار السياسي — ذلك النهج الذي يقوم على اتخاذ مواقف وخيارات عامة دون قراءة معمقة للعواقب، أو الانجرار وراء ردود الفعل الآنية والشعارات العاطفية، بعيدًا عن المصلحة الوطنية الشاملة ومقتضيات الواقع.

وتتجلى هذه الظاهرة في عدة صور، أبرزها تضليل الرأي العام عبر تداول معلومات غير دقيقة، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع، وتغليب الحسابات الضيقة على حساب المصلحة العامة. كما يظهر ذلك في القرارات المتسرعة التي تفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي، أو التي تُبنى على مكاسب لحظية دون إدراك لتداعياتها بعيدة المدى، مما يضعف منسوب الثقة بين المواطن ومؤسسات صنع القرار.

إن أخطر ما في هذا النمط من الممارسة السياسية أنه لا يظل محصورًا في دائرة القرار، بل يمتد أثره إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة. فهو يسهم في إبطاء عجلة التنمية، ويزيد من حدة التوترات الاجتماعية، ويغذي بيئات الفساد وسوء الإدارة، فضلًا عن استنزاف الموارد وإهدار الفرص. ومع تراكم هذه النتائج، تتآكل حالة الاستقرار تدريجيًا، وتدخل المجتمعات في دوامة من الأزمات المتكررة.

وفي المقابل، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب بناء وعي سياسي حقيقي لدى المجتمع، قائم على التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين المعلومة والرأي والدعاية. كما يستدعي الأمر تعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، وتكريس مفهوم المصلحة العامة بوصفها معيارًا أعلى من المصالح الفئوية أو الحزبية.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تتحمله المؤسسات التعليمية والإعلامية والقيادات السياسية في ترسيخ هذا الوعي، من خلال تقديم خطاب عقلاني مسؤول، يضع الحقيقة في مركز الفعل السياسي، ويبتعد عن الإثارة والتضليل.

وفي الختام، فإن استمرار الممارسات السياسية غير الرشيدة لا يؤدي فقط إلى أخطاء عابرة، بل قد يفضي إلى أزمات بنيوية عميقة تهدد استقرار المجتمعات وتعرقل مستقبلها. ومن هنا، تصبح المسؤولية الجماعية في بناء وعي سياسي ناضج ضرورة لا خيارًا، لضمان مستقبل أكثر استقرارًا واتزانًا.

وكما قال المتنبي:

"وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام"

أي أن أصحاب الطموح الكبير والهمم العالية يحتاجون إلى جهد وصبر كبيرين لتحقيق أهدافهم العظيمة.