كفى... فالموت لم يترك لنا شيئاً
نشر بتاريخ: 2026/06/10 (آخر تحديث: 2026/06/11 الساعة: 01:46)

الهدف وطني، لكن النوايا والتوقيت يثيران أسئلة خطيرة لا يمكن تجاهلها.

نحن لا نعيش أزمة سياسية عابرة، ولا جولة قتال جديدة كما يحاول البعض تصويرها. نحن نعيش كارثة إنسانية كاملة الأركان، وانهياراً متواصلاً لمعنى الحياة نفسها.

حالة من اليأس وفقدان الأمل تجتاح الناس.

ولو كتبنا آلاف الكتب والروايات عن هذه الحرب المميتة، لما استطعنا أن نوثق كل ما حدث. فالحقيقة أكبر من أن تحتويها الكلمات، والألم أوسع من أن يختصره خبر عاجل أو تقرير إخباري.

في كل زاوية رواية.

وفي كل شارع قصة.

وفي كل خيمة نزوح حكاية لم تُروَ.

الإعلام ينقل الأرقام، لكنه لا ينقل الوجع المختبئ خلف الأرقام.

شاب يُقتل يوم زفافه قبل أن يبدأ حياته.

معلمة هي الابنة الوحيدة لوالديها تُقتل وهي عائدة من عملها بين الأطفال الذين كانت تعلمهم معنى الأمل.

طفل يُقتل وهو يلعب.

وطفلة فقدت والدها، ولم يبقَ لأمها سواها، فتُقتل هي الأخرى قبل أن تكبر.

عائلات كاملة تُمحى من الوجود.

وأحياناً ينجو فرد واحد من تحت الركام، فيظن الناس أن القدر منحه فرصة جديدة للحياة، ثم يعود القصف بعد أشهر ليأخذه إلى حيث رحلت عائلته.

نقرأ الخبر في سطر واحد، لكننا لا نعرف الرواية.

لا نعرف الأحلام التي دُفنت.

ولا الضحكات التي اختفت.

ولا المستقبل الذي سُرق.

ولا القلوب التي انكسرت إلى الأبد.

عن ماذا تتحدثون؟

عن أي سلاح؟

وعن أي مفاوضات؟

وعن أي انتصارات أو حسابات سياسية؟

حين يصبح الموت هو المشهد اليومي، تصبح كل الشعارات صغيرة أمام حجم المأساة.

لم يعد الناس يبحثون عن النصر في الخطب، بل عن فرصة للبقاء أحياء حتى صباح اليوم التالي.

لم يعد السؤال من انتصر ومن هُزم.

السؤال الحقيقي هو:

كم طفلاً يجب أن يُقتل بعد؟

وكم أماً يجب أن تُدفن تحت الأنقاض؟

وكم شاباً يجب أن يفقد مستقبله؟

وكم عائلة يجب أن تُمحى من السجل المدني؟

وكم جيلاً يجب أن يُسحق حتى يقتنع الجميع أن هذا الطريق لا يقود إلا إلى المزيد من المقابر؟

شعب بأكمله يدفع الثمن.

بينما يتحدث الآخرون عن الاستراتيجيات والمشاريع والمبادرات والمواقف.

ومن حق هذا الشعب أن يسأل:

إلى أين نسير؟

ومن يملك قرار إنهاء هذه الكارثة؟

ومن يملك الشجاعة ليقول إن حياة الناس أهم من الشعارات؟

وإلى الجالسين في المقاهي والعواصم البعيدة، في الدول العربية والغربية، أولئك الذين يستيقظون كل يوم على مبادرة جديدة أو حراك جديد أو دعوة جديدة للتظاهر...

نسأل بصدق:

ضد من نتظاهر؟

ضد العالم الذي صمت؟

أم ضد الاحتلال الذي يواصل القتل؟

أم ضد الذين خذلونا في الداخل والخارج؟

أم ضد الذين حولوا القضية إلى استثمار سياسي، وتاجروا بالدم الفلسطيني سنوات طويلة؟

من السهل أن تتحدث عن الصمود من خلف شاشة.

ومن السهل أن تطالب الناس بالثبات وأنت تنام في بيت آمن.

ومن السهل أن ترفع الشعارات عندما لا يكون أطفالك تحت القصف.

لكن الصمود الحقيقي ليس كلمة تُكتب في منشور.

الصمود الحقيقي هو أم تبحث عن لقمة لأطفالها.

وأب يخشى أن يعود إلى خيمته فلا يجد أبناءه.

وطفل يستيقظ كل ليلة على أصوات الانفجارات.

وإنسان فقد كل شيء وما زال يحاول أن يتمسك بالحياة.

لقد تعب الناس من البيانات.

وتعبوا من الخطابات.

وتعبوا من الوعود.

وتعبوا من المزايدات.

وتعبوا من الذين يتحدثون باسمهم دون أن يشعروا بوجعهم.

كفى متاجرة بدماء الناس.

كفى استخداماً لمعاناة غزة وقوداً للمشاريع السياسية.

كفى تحويل المأساة الإنسانية إلى مادة للخطابات والمنافسات والشعارات.

فمن يدفع الثمن ليس أصحاب المنابر.

وليس أصحاب البيانات.

وليس أصحاب المصالح.

الذي يدفع الثمن هو الإنسان البسيط الذي لم يعد يملك بيتاً ولا أمناً ولا مستقبلاً ولا حتى حقه الطبيعي في الحياة.

ومن حق الناس أن تسأل الجميع بلا استثناء:

ما هو طريق الخلاص؟

ما هي الخطة التي ستوقف الموت؟

ما هي الخطوة التي ستعيد لهذا الشعب حقه في الحياة؟

أما إذا كانت الإجابة هي المزيد من الشعارات والمزيد من الخطب والمزيد من الدعوات التي لا تغير شيئاً على الأرض، فاعلموا أن الناس سئمت الشعارات أكثر مما سئمت الحرب نفسها.

نعم، يجب أن نصرخ بأعلى صوت:

كفى قتلاً...

كفى دماراً...

كفى استهتاراً بحياة البشر...

كفى عبثاً بمصير شعب كامل.

وعلى الجميع أن يدرك حقيقة واحدة:

من لا يمتلك حلاً لهذه المأساة، لا يملك الحق في مطالبة الناس بالمزيد من الصبر والمزيد من التضحيات والمزيد من الأثمان.

فالناس لم يعد لديها ما تخسره.

لقد خسروا أبناءهم.

وخسروا بيوتهم.

وخسروا أحلامهم.

وخسروا أعمارهم.

ولم يبقَ لهم سوى حقهم في الحياة.

وهذا الحق لا يملك أحد أن يصادره باسم السياسة أو الحرب أو الشعارات أو المصالح.

فالأوطان تُبنى بالإنسان، وإذا ضاع الإنسان فلن يبقى وطن ينتصر له أحد.