التصعيد مع إيران بين ضرورات الانتخابات الإسرائيلية وحسابات ترامب قبل كأس العالم
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 14:14)

جاءت الضربة الإسرائيلية داخل إيران في توقيت بالغ الحساسية، ليس فقط لأنها أنهت عملياً فترة من التهدئة النسبية بين الطرفين، بل لأنها وضعت إسرائيل والولايات المتحدة أمام أول اختبار حقيقي لتباين أولوياتهما منذ استئناف المفاوضات مع طهران. ففي الوقت الذي تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو أكثر ميلاً إلى توظيف التطورات الأمنية ضمن حسابات سياسية داخلية تتصل بالمشهد الانتخابي الإسرائيلي.

ولا يتعلق الأمر فقط بالمخاوف الأميركية من اتساع رقعة الحرب، بل أيضاً بالتوقيت الحساس الذي يأتي قبل نحو ثلاثة أيام من افتتاح بطولة كأس العالم، الحدث الرياضي الأكبر عالمياً والذي تراهن واشنطن على نجاحه سياسياً وإعلامياً. فإدارة ترامب لا تريد أن تتصدر صور الصواريخ والانفجارات في الشرق الأوسط نشرات الأخبار العالمية بالتزامن مع انطلاق البطولة، ولا أن تتحول المنطقة إلى مصدر توتر دولي يطغى على حدث تسعى الولايات المتحدة إلى توظيفه لإبراز صورتها كقوة قادرة على توفير الاستقرار وقيادة المشهد الدولي.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي تصعيد واسع مع إيران قد يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض الجهود الدبلوماسية الجارية، كما قد يضع واشنطن أمام استحقاقات عسكرية وسياسية لا ترغب في خوضها حالياً. لذلك جاءت الرسائل الأميركية الأخيرة داعية إلى الاحتواء ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

لكن في إسرائيل تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالمشهد السياسي يعيش حالة من الاستقطاب الحاد، فيما تظهر استطلاعات الرأي تقارباً ملحوظاً بين الأحزاب والكتل المتنافسة. وفي ظل هذا الواقع يدرك نتنياهو أن أي تطور أمني كبير يمكن أن يؤثر في المزاج العام ويعيد ترتيب الأولويات لدى الناخب الإسرائيلي.

وتكتسب هذه الحسابات أهمية خاصة في ظل تقارب نتائج استطلاعات الرأي وصعوبة حسم أي معسكر للأغلبية بصورة مريحة، ما يجعل القضايا الأمنية عاملاً حاسماً في توجيه مزاج الناخبين.

لطالما سعى نتنياهو إلى ترسيخ صورته باعتباره رجل الأمن الأول في إسرائيل والقائد القادر على مواجهة التهديدات الإقليمية، ولذلك فإن استمرار التوتر مع إيران وحزب الله يمنحه فرصة لإعادة توجيه النقاش الداخلي بعيداً عن الانتقادات المتعلقة بأداء الحكومة، والملفات الاقتصادية والاجتماعية، والجدل المتواصل حول نتائج الحرب الممتدة في أكثر من جبهة.

ولا يمكن فصل التصعيد الحالي عن هذا السياق. فحتى لو كانت هناك اعتبارات عسكرية حقيقية وراء القرار الإسرائيلي، فإن التوقيت يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تأثر القرار بالحسابات السياسية الداخلية. فكلما اقتربت الانتخابات وازدادت المنافسة بين الأحزاب، ارتفعت أهمية الخطاب الأمني في الحملات الانتخابية، وأصبح إظهار الحزم العسكري جزءاً من الصراع على أصوات الناخبين.

بل إن نتنياهو قد يكون معنيّاً بإعادة تشكيل جدول الأعمال السياسي الإسرائيلي برمته، بحيث تصبح قضايا الأمن وإيران وحزب الله العنوان الرئيسي للنقاش الانتخابي، بدلاً من التركيز على إخفاقات الحرب الطويلة في غزة ولبنان، أو على الأزمات الداخلية التي تواجه حكومته. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التصعيد الأمني عاملاً مؤثراً في إعادة ترتيب أولويات الرأي العام الإسرائيلي.

في المقابل، تجد إدارة ترامب نفسها أمام معضلة معقدة. فهي من جهة لا تريد الظهور بمظهر العاجز عن التأثير في إسرائيل، ومن جهة أخرى لا ترغب في الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. كما أن أي مواجهة واسعة قد تقوض مسار المفاوضات مع إيران وتضع الولايات المتحدة مجدداً في قلب أزمة إقليمية كانت تسعى إلى احتوائها.

في المقابل، تجد إدارة ترامب نفسها أمام معضلة معقدة. فهي من جهة لا تريد الظهور بمظهر العاجز عن التأثير في إسرائيل، ومن جهة أخرى لا ترغب في الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. كما أن أي مواجهة واسعة قد تقوض مسار المفاوضات مع إيران وتضع الولايات المتحدة مجدداً في قلب أزمة إقليمية كانت تسعى إلى احتوائها.

وما زال من المبكر الجزم بحجم التباين الحقيقي بين الطرفين، أو ما إذا كانت بعض التحركات جرت بتنسيق مسبق، لكن المؤكد أن كلاً من واشنطن وتل أبيب تنظران إلى التصعيد من زاوية مصالح وأولويات مختلفة، وهو ما ينعكس في تباين مواقفهما إزاء حدود المواجهة وإيقاعها وأهدافها السياسية.

أما إيران، فتبدو وكأنها تراهن على وجود هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب. فكلما ازداد الضغط على الإدارة الأميركية لتجنب الحرب، ازدادت قدرة طهران على المناورة ورفع سقف مطالبها في المفاوضات. ومن هنا فإن التصعيد الإيراني لا يستهدف إسرائيل فقط، بل يوجه رسائل مباشرة إلى البيت الأبيض أيضاً.

في ضوء ذلك لا يبدو أن ما يجري هو مجرد تبادل للضربات بين إيران وإسرائيل، بل هو أيضاً صراع بين أجندات سياسية مختلفة. فترامب يريد احتواء الأزمة ومنع انفجارها، بينما قد يجد نتنياهو في استمرار التوتر فرصة لتعزيز موقعه السياسي الداخلي وإعادة ترتيب المشهد الانتخابي لصالحه.

وبينما يسعى ترامب إلى منع حرب قد تربك حساباته الدولية وتخطف الأضواء من حدث عالمي بحجم كأس العالم، يبدو أن نتنياهو ينظر إلى الأسابيع المقبلة باعتبارها فرصة لإعادة وضع الأمن وإيران وحزب الله في صدارة المشهد الانتخابي الإسرائيلي. وهكذا يجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى رهينة تقاطع حسابات انتخابية في تل أبيب مع حسابات سياسية ودولية في واشنطن، في لحظة قد يكون فيها أي خطأ في التقدير كفيلاً بتحويل التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع لا يرغب بها أحد، لكنه قد يجد نفسه منجرفاً إليها.