من قلب غزة إغاثة بجهود فردية وضمير حي.. حين يتقدّم الفعل بلا ضجيج
نشر بتاريخ: 2026/01/22 (آخر تحديث: 2026/01/22 الساعة: 17:02)

في الحرب على قطاع غزة، حين تحوّلت البيوت إلى ركام، وتشظّت الجغرافيا بين شمالٍ منكوب وجنوبٍ مثقل بالنزوح، توقّفت الحياة عن إيقاعها الطبيعي. شُلّ العمل، وانقطع الكسب المشروع، فتفشّت بطالة قاتلة، واتّسع الفقر حتى صار عنوانًا يوميًا لوجوه الشارع، ولتفاصيل الخيام، ولأحلامٍ عالقة على حدود الصبر

وسط هذا الخراب، ظهرت مؤسسات ومبادرات إغاثية تحاول التخفيف من وطأة الألم، غير أنّ بعض التجارب الفردية ظلّت أكثر صدقًا وأقرب إلى نبض الناس. من بين هذه التجارب، تبرز تجربة جوليت أبوشنب، لا كمؤسسة ذات دعم منظّم، بل كحالة إنسانية خالصة، تنحاز للإنسان أولًا قبل العنوان، وللوجع قبل الصورة.

جوليت أبوشنب، سيدة فلسطينية عايشت النزوح والفقد وقسوة العيش، وحوّلت الألم إلى فعلٍ يومي. في حكايتها تختصر معاناة البيوت المهدّمة وانكسار الأمنيات، لكنها في الوقت ذاته تعكس قدرة المرأة الفلسطينية على الصمود، وعلى التشبّث بالحياة رغم الركام.

لم تبدأ جوليت من مكاتب مكيّفة، ولا من حنفيات دعم مفتوحة، بل من خيمة نزوح، ومن وجعٍ رأته بعينها ولمسته بيدها البيضاء، لا من مشاهد عابرة في نشرات الأخبار. انطلقت بجهود فردية ومساهمات أهل الخير، تستقبل وتوزّع بشفافية، حتى صنعت أرضية من الثقة والأمان، فاتّسعت دائرة العطاء، وكبر العمل دون أن يفقد روحه الأولى: خدمة الناس كما هم، وبما تيسّر من أهل العطاء.

في خيام النزوح، حيث الحرّ ينهش الأجساد صيفًا، والبرد يقضم العظام شتاءً، وحيث الفقر لا يطرق الباب بل يقتحمه، كانت جوليت حاضرة بين الخيام، توزّع مواد غذائية، وخيامًا، وفرشًا وأغطية، وملابس صيفية ثم شتوية، وتقدّم دعمًا معنويًا لا يقل قيمةً عن رغيف الخبز. كانت تدرك أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى ما يسدّ جوعه، بل إلى من يراه، ويشعره بأن كرامته ما زالت حيّة.

ولأن الوجع لا ينتظر، كانت تلبّي المناشدات العاجلة بسرعة البرق، تتقدّم حيث يختنق الناس بالحاجة، فتبرق عيونهم فرحًا حين تصل يد العون في الوقت الذي يكاد فيه الأمل أن ينطفئ. هناك، في تلك اللحظات الصغيرة، تُقاس قيمة الفعل الإنساني لا بحجمه، بل بتوقيته.

تقول جوليت:

“بدأت مشروعي بفاعل خير، وتطوّر بعد ذلك لأنني بسطت أرضية من الثقة والأمان. كم يصيبني انتعاش يثلج صدري وأنا أقدّم يد العون، سواء كانت مالية، أو عينية، أو حتى كلمة ترفع المعنويات.”

هكذا يتشكّل العطاء حين يكون نقيًا؛ لا أرقام ولا استعراض، بل طاقة إنسانية مفعمة بالأخلاق تنتقل بهدوء من يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب. تجربة تثبت أن العدالة في توزيع الإغاثة عبر الأيادي الأمينة قادرة على إعدام الظلم في الساحات العامة، حين يكون الضمير هو بوصلة الاتجاه.

وربما لم يكن الاسم مصادفة؛ فجوليت، في دلالته، يحمل معنى الرقة والحيوية، ويرتبط أدبيًا بالحب والتضحية، وكأن الاسم نفسه وجد طريقه ليكون انعكاسًا لصاحبته: رقةً تقاوم القسوة، وضوءًا يتسلّل من بين الشقوق. وعلى الوجوه الرمادية، الأسمنتية، التي أتعبها غبار الحرب، تخطّ جوليت ضحكةً غابت منذ زمن؛ ضحكة لا تُنهي المأساة، لكنها تخفّف وطأتها، وتشبه شروق الشمس حين يقرّر النور أن يولد من قلب ثقوب الركام.

شكرًا لأهل الخير كافة، على عطائهم اللامحدود، وعلى أياديهم التي امتدّت بصمت، فصنعت فرقًا حقيقيًا في حياة المنكوبين، وأبقت للإنسانية موطئ قدمٍ بين الخيام.