شتاءُ الخيام… حين ترتجفُ أحلامُ النازحين قبل أجسادهم!!
نشر بتاريخ: 2026/01/10 (آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 17:48)

في المخيمات، لا يأتي الشتاء عابرًا؛ بل يحلّ قاسيًا محمّلًا بالبرد والمرض والجوع، حيث ترتجف الخيام ويكافح النازحون—ولا سيما الأطفال—للبقاء في مواجهة ليالٍ بلا دفء ولا أمان.

في المخيم، لا يطرق الشتاء الأبواب، إذ لا أبواب هنا أصلًا، بل يقتحم الخيام اقتحامًا، ويضع النازحين في مواجهة امتحانٍ يوميّ للصبر والكرامة. مع كل منخفضٍ جويّ، يتكثّف الوجع ويتضاعف الألم، وتغدو الخيمة مساحةً ضيّقة تتّسع للخوف أكثر مما تتّسع للدفء. هنا، لا تُخزَّن الأحلام الجميلة، بل تُحفظ الهواجس الثقيلة، ويُعاد ترتيب اليوم على إيقاع الريح والمطر.

حين تهبّ الرياح العاتية، تتحوّل الخيمة من مأوى مؤقت إلى قلقٍ متحرّك. القماش المشدود يئنّ، والأعمدة الخشبية تتمايل، والمطر—الذي يفترض أن يكون رحمة—يتحوّل إلى تهديدٍ دائم. تتسلّل المياه من كل ثقب، فتغمر الأرض الباردة، ويصبح الليل أطول من احتماله. لا أحلام سعيدة هنا؛ كوابيس اقتلاع الخيمة، وانكشاف الأجساد، وضياع ما تبقّى من شعورٍ بالأمان.

في عتمة الليل، يتضاعف السواد. الأطفال يرتجفون، لا لأنهم اعتادوا البرد، بل لأن البرد اعتاد عليهم. أغطيةٌ رقيقة لا تصدّ الريح، وملابس مبتلّة لا تجفّ، وأنفاسٌ قصيرة تبحث عن دفءٍ مفقود. الأمّهات يسهرن على نارٍ خجولة، يراقبن وجوه الصغار، يوزّعن ما تيسّر من طمأنينة، ويؤجّلن دموعهنّ. الآباء يُمسكون بأطراف الخيمة كما لو أنّهم يُمسكون بالحياة ذاتها، يخشون أن تفلت مع هبّةٍ مفاجئة.

ولا يقف الوجع عند حدود البرد وحده؛ فمعه تأتي نزلات البرد والإنفلونزا، لا تُفرّق بين صغيرٍ وكبير. يتحوّل السعال إلى صوتٍ جماعي، وترتفع حرارة الأجساد الواهنة في خيامٍ لا تعرف العزل ولا الوقاية. الأطفال هم الحلقة الأضعف؛ وجوهٌ شاحبة، وأنفاسٌ متقطّعة، وعيونٌ تلهث خلف راحةٍ سريعة لا تأتي. ومع كل موجة برد، يزدحم الطريق المؤدّي إلى المشافي الميدانية بطالبي العلاج؛ آباءٌ يهرولون حاملين أبناءهم، وأمهاتٌ يحتضنّ الصغار خوفًا من تفاقم الأعراض في ظل شحّ الأدوية ومحدودية الإمكانات. هناك، تصطفّ المعاناة في طوابير انتظار طويلة، ويتحوّل العلاج البسيط إلى سباقٍ مع الوقت.

ويتعاظم هذا المشهد قسوةً مع غياب الغذاء الكافي. فالجوع، حين يجاور البرد والمرض، يضاعف الألم ويُبطئ التشافي. أجسادٌ مرهقة بلا طاقة، وأطفالٌ يحتاجون إلى غذاءٍ يعزّز المناعة فلا يجدونه، وأمهاتٌ يوازنّ بين لقمةٍ شحيحة ودواءٍ نادر. نقص الطعام لا يترك أثره على الجسد فحسب، بل يضغط على الروح؛ فكيف يُقاوَم البرد بلا غذاء، وكيف تُهزم الإنفلونزا بأجسادٍ لم تنل كفايتها من التغذية؟

ومع بزوغ الصباح، تتحرّك القلوب الرحيمة لتفقّد أحوال المخيم ومواساة من طالتهم نكبة الرياح الصرصر. خطواتٌ سريعة فوق الطين، أيادٍ تحمل بطّانيات وطرودًا غذائية متواضعة، وابتساماتٌ متعبة لكنها صادقة. لا أحد يملك حلًا سحريًا، غير أنّ الكلمة الطيّبة تُخفّف وطأة القلق، واليد الممدودة تُعيد تعريف معنى الجوار والإنسانية في زمن الشدّة.

يبقى السؤال معلّقًا: إلى متى يُترك النازح ليواجه الشتاء بما تيسّر من قماشٍ وأمل؟ البرد في البيت لا كالبرد في الخيم؛ في البيت جدرانٌ تحمي وسقفٌ يصدّ المطر، وذاكرةٌ تواسي. أمّا في الخيمة، فالبيت فكرةٌ مؤجّلة، والدفء وعدٌ هشّ، والذاكرة مثقلةٌ بما لا يُحتمل. هنا، لا تُقاس المعاناة بدرجات الحرارة فقط، بل بعدد الليالي التي ينام فيها الإنسان على الخوف ويستيقظ على قلقٍ جديد.

إنّ الحديث عن النزوح في الشتاء ليس توصيفًا إنسانيًا فحسب، بل شهادةٌ أخلاقية. الخيمة التي تتمايل تحت الريح تفضح هشاشة الاستجابة، وتذكّر بأنّ الكرامة لا ينبغي أن تكون موسمية. ما يحتاجه النازح ليس تعاطفًا عابرًا، بل مأوى يليق بالإنسان، وغذاءً يحمي الجسد، ورعايةً صحيةً تنقذ الأطفال من سباقٍ غير عادل مع البرد والمرض.

ومع ذلك، يبقى في المخيم ما يستحقّ التمسّك به: قدرة الناس على التضامن، وتحويل القسوة إلى فعلٍ إنساني. بين خيمةٍ وأخرى، تُتقاسم اللقمة، وتُنسج حكايات صمود. قد لا يغيّر ذلك قسوة الشتاء، لكنه يمنح المعنى فرصةً للبقاء، ويُبقي الأمل حيًّا بأن الدفء حقٌّ لا امتياز.

وللهِ دَرُّ القائلِ:

إذا اشتدَّ عُسْرٌ فارجُ يُسْرًا، فإنَّهُ

قضى اللهُ أنَّ العُسْرَ يَتْبَعُهُ يُسْرُ.