في زمن الأزمات، لا يكون الخطر صحيًا فحسب، بل إعلاميًا أيضًا. فالشائعة، حين تتسلل إلى وعي الناس، قد تُحدث من الهلع ما لا تُحدثه الأمراض نفسها. مؤخرًا، شهد الشارع الغزي تداولًا مكثفًا لأنباء تتحدث عن تسجيل حالات إصابة بمرض الليبتوسبيروزيس في قطاع غزة، ما استدعى توضيحًا رسميًا وحاسمًا من وزارة الصحة الفلسطينية.
الليبتوسبيروزيس مرض بكتيري حيواني المنشأ، ينتقل إلى الإنسان في ظروف بيئية محددة، غالبًا عبر المياه أو التربة الملوثة بإفرازات حيوانات مصابة، ولا ينتقل عادةً من إنسان إلى آخر. ورغم ما يُثار حول خطورته، إلا أنه مرض يمكن السيطرة عليه طبيًا عند التشخيص المبكر، ولا يشكل تهديدًا وبائيًا واسع النطاق في ظل الرقابة الصحية الفاعلة.
وزارة الصحة الفلسطينية، وفي إطار متابعتها اليومية للوضع الوبائي في قطاع غزة، أوضحت أنها رصدت عددًا محدودًا من الحالات المشتبه بها، جرى التعامل معها وفق البروتوكولات الطبية المعتمدة، حيث سُحبت العينات اللازمة وأُرسلت إلى مختبرات متخصصة خارج القطاع. وجاءت النتائج جميعها سلبية، مؤكدةً عدم تسجيل أي حالة مؤكدة بهذا المرض حتى تاريخه.
هذا النفي الرسمي لا يهدف فقط إلى التطمين، بل يعكس التزامًا مهنيًا ومسؤولية وطنية في إدارة الملف الصحي، رغم التحديات القاسية التي يفرضها الحصار واستهداف المنظومة الصحية. كما شددت الوزارة على أنها الجهة الرسمية الوحيدة المخوّلة بالإعلان عن أي تفشٍ وبائي، محذّرة من الانجرار وراء مصادر غير موثوقة أو اجتهادات إعلامية غير دقيقة.
إن تداول المعلومات الصحية دون تحقق لا يقل خطرًا عن المرض نفسه، فهو يربك المجتمع، ويقوض الثقة، ويُضعف الجبهة الداخلية في وقت أحوج ما نكون فيه إلى الوعي والتكاتف. ومن هنا، تبرز أهمية الإعلام المسؤول بوصفه شريكًا في الوقاية، لا ناقلًا للقلق.
وفي الوقت الذي تنفي فيه الوزارة وجود إصابات مؤكدة، تؤكد أن طواقم الطب الوقائي تواصل عملها على مدار الساعة، مراقبةً لأي طارئ، وجاهزةً للتعامل مع أي مستجد صحي، على أن يتم الإعلان عنه عبر القنوات الرسمية المعتمدة.
الرسالة اليوم واضحة: غزة ليست ساحةً مفتوحة للشائعات، وصحة المواطن ليست مادةً للتداول غير المسؤول. الوعي الصحي، والالتزام بالإرشادات الوقائية، والاعتماد على المصدر الرسمي، تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة الأوبئة… قبل أن تولد.