حين تصبح الإنسانية تهمة.. العاملون في أطباء بلا حدود بين ميدان الطب ومقصلة الاتهام
بقلم: شريف الهركلي
حين تصبح الإنسانية تهمة.. العاملون في أطباء بلا حدود بين ميدان الطب ومقصلة الاتهام
الكوفية في مواصي خانيونس، بجانب فش فرش ومقابل مسجد أبو مطر، لا تسمع هدير السلاح، بل أنين الجراح وهمس السماعات الطبية. هناك، في المخيم الطبي التابع لمنظمة أطباء بلا حدود، تتجسد مفارقة العصر: إنسانيةٌ تُؤدّي واجبها، وتُلاحَق بتهمةٍ لا تشبهها.
منذ اللحظة الأولى لدخولي المخيم، استوقفتني إشارة واضحة: ممنوع دخول السلاح والآلات الحادة. ابتسمتُ؛ فهنا السلاح الوحيد قلمٌ يُدوِّن، وسماعةٌ تُصغي، وختمٌ يُنظِّم، وكلمةٌ تُطمئن. دخلتُ غرفة فرز المرضى، حيث تُدار العملية بدقةٍ تُشبه خلية النحل: بطاقة تُسلَّم، وقسم يُحدَّد، ومسارٌ إنساني واضح. طب عام، نساء وولادة، جراحة، غيار، علاج طبيعي، أطفال، أمراض مزمنة، صحة نفسية، مختبر، صيدلية… نظامٌ لا يعرف الفوضى، وإن كان يعمل تحت قصف الفوضى.
العاملون هنا عمادُ المؤسسة وروحُها. أطباء، ممرضون، مرشدون، إداريون، وأمنٌ يُنظِّم الدخول بلطفٍ يُبدِّد التوتر. لباسهم المزيَّن بشارات أطباء بلا حدود ليس درعًا سياسيًا، بل بطاقة تعريف للأخلاق المهنية. اختيارهم تمّ على معيار الكفاءة والعطاء، لا الانتماء والولاء. لا إرهاب هنا؛ سلاحهم أخلاقهم، وعتادهم إنسانيتهم.
الإدارة العليا خبراء من دولٍ شتى، جاؤوا إلى شعبٍ منكوب يعيش الكارثة الحقيقية، لا ليصنعوا مجدًا شخصيًا، بل ليُخفِّفوا وجعًا عامًا. وبين العاملين من أثقلتهم الحرب؛ ينتظرون بفارغ الصبر أن تنتهي، ليعودوا إلى حياةٍ طبيعية، بعدما عاشوا استثناءً قاسيًا عنوانه الواجب.
وفي تفاصيل اليوميّات، تكشف السخرية السوداء عن نفسها. في غرفة الغيار على الجروح، تُستبدل المشارط بمقصّاتٍ صغيرة “احتياطًا للسياسات”، يُسمح باليود ما دام خاليًا من “اليورانيوم المخصّب”، ويُشترط أن يكون اللاصق شفافًا حتى لا “يختبئ بين الجروح ما يُريب”. مشهدٌ عبثيّ يُعرّي منطق الاتهام حين تُحاصر الأدوات الطبية بشبهةٍ لا تليق إلا بالافتراء.
تجولتُ بين العاملين، فوجدتهم ملائكة رحمة بقلوبٍ بيضاء وأيادٍ حانية تكفكف جراحًا فتحها الزمن.
ليسوا كما يُدَّعى؛ لا يحملون سوى قلمٍ وختمٍ وسماعة طبيب، وكلماتٍ إرشادية تُعيد للمرضى بعض الطمأنينة، وتنظيمٍ هادئ يحفظ كرامة الداخل قبل علاجه.
لا أدري… أأنا أمام طاقمٍ طبي، أم فرقةٍ تعزف سيمفونية الحب الإنساني وسط الضجيج؟ هنا، تُدان الإنسانية لأنها تُنقذ، ويُساءل الطب لأنه يُعالج.
شكرًا من أبناء فلسطين إلى أطباء بلا حدود: لأنكم اخترتم الوقوف حيث يُختبر الضمير، ولأن سلاحكم—رغم كل الاتهامات—ظلّ قلمًا يكتب الحياة، وسماعةً تُنصت للنبض.