نشر بتاريخ: 2026/01/04 ( آخر تحديث: 2026/01/04 الساعة: 15:18 )
عدلي اليازوري

ما بين اعتقال مادورو، وطلب توقيف نتنياهو.. سيادة قانون القوة، وانكسار القانون الدولي..

نشر بتاريخ: 2026/01/04 (آخر تحديث: 2026/01/04 الساعة: 15:18)

الكوفية لم يعد ممكنا النظر إلى اعتقال نيكولاس مادورو واحتجازه في نيويورك بوصفه حدثا جنائيا منفصلا، ولا إلى طلب توقيف بنيامين نتنياهو من قبل المحكمة الجنائية الدولية بوصفه إجراء قانونيا تقنيا. الحدثان معا يكشفان لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي، لحظة تتراجع فيها القواعد لصالح القوة، ويتحول فيها القانون من إطار ضابط إلى أداة تستخدم انتقائيا وفق موازين السياسة.

هذه اللحظة تطرح سؤالا جوهريا، هل نحن أمام انتقال فعلي إلى منطق يحكمه ما يمكن تسميته بقانون القوة، أو ما بات يعرف بقانون سياسات دونالد ترامب القائمة على الفرض الأحادي وتهميش الأطر متعددة الأطراف، أم أننا أمام انحراف مؤقت في نظام ما زال قادرا نظرياً على تصحيح نفسه.

قامت الدولة الحديثة على مبدأ السيادة، وتفرع عنه مبدأ الحصانة السيادية، لا باعتباره حماية أخلاقية للحكام، بل كضرورة قانونية تمنع الفوضى في العلاقات الدولية. رئيس الدولة القائم يتمتع بحصانة شخصية كاملة أمام القضاء الوطني للدول الأخرى، وهذه قاعدة مستقرة عرفا وقانونا، أكدتها في قضية الكونغو ضد بلجيكا عام 2002.

هذه الحصانة لا تسقط بسبب طبيعة التهم مهما بلغت جسامتها طالما أن الملاحقة تتم أمام قضاء وطني أجنبي. إسقاط الحصانة يتم حصرا في ثلاث حالات، انتهاء الولاية، أو تسليم طوعي من الدولة المعنية، أو المثول أمام محكمة دولية مختصة. في حالة مادورو، لم يتحقق أي من هذه الشروط، ما يجعل اعتقاله خرقا صريحا لقاعدة آمرة في القانون الدولي.

ميثاق الأمم المتحدة هو الإطار الدستوري للنظام الدولي. تنص المادة الثانية منه على حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، باستثناء الدفاع الشرعي أو التفويض الصريح من مجلس الأمن. اعتقال رئيس دولة من داخل إقليم دولته ونقله قسرا إلى دولة أخرى يمثل انتهاكا مباشرا لهذا الحظر، ويقوض أحد أهم أعمدة الاستقرار الدولي.

اللوائح الاتهامية الصادرة عن محاكم وطنية، مهما بلغت قوة الدولة التي أصدرتها، لا تمنح شرعية قانونية لتجاوز هذا الإطار. هنا يتحول القانون الوطني إلى أداة سياسية، ويُفرغ الميثاق من مضمونه العملي، ليصبح نصا أخلاقيا لا يحتكم إليه عند تعارضه مع إرادة الأقوى.

يميز القانون الدولي بوضوح بين القضاء الوطني والقضاء الدولي. المحاكم الوطنية تعبر عن سيادة دولها، بينما تستمد المحاكم الدولية شرعيتها من توافق جماعي بين الدول. طلب توقيف نتنياهو عبر المحكمة الجنائية الدولية، بصرف النظر عن فرص تنفيذه، يمثل التزاما شكليا بالقانون الدولي واحتراما لمسار المساءلة متعددة الأطراف.

في المقابل، اعتقال مادورو بالقوة وتقديمه إلى قضاء وطني أجنبي يمثل قفزا فوق هذا النظام، ويكرس سابقة خطيرة مفادها أن الدولة الأقوى تستطيع استبدال العدالة الدولية بعدالة أحادية متى شاءت.

المقارنة بين الحالتين تكشف جوهر الأزمة ومدى الإنتقائية. في حالة مادورو، جرى تجاهل الحصانة، وتجاوز القضاء الدولي، واستخدام القوة، وفرض الاختصاص الوطني قسرا. في حالة نتنياهو، جرى الالتزام بالإطار الدولي، واحترام الإجراءات، وترك التنفيذ لإرادة الدول الأعضاء، رغم التعطيل السياسي.

الرسالة التي يلتقطها العالم واضحة، القانون يُفعل عندما يستهدف خصوما سياسيين، ويُعلق أو يُؤوّل عندما يقترب من حلفاء أقوياء. هذه الانتقائية تقوض عالمية القانون، وتحوله من معيار شامل إلى أداة انتقائية.

شكلت الأعراف الدولية غير المكتوبة لعقود صمام أمان يمنع الانزلاق إلى الفوضى. بعدم التعرض المباشر لرؤساء الدول، وعدم شرعنة الخطف السياسي العابر للحدود، كانت قواعد محترمة عرفا. كسر هذه الأعراف أخطر من خرق نص مكتوب، لأنه يفتح الباب لتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والسابقة إلى نموذج قابل للتكرار.حين تسقط الأعراف، تصبح النصوص عاجزة عن ضبط السلوك، ويتحول النظام الدولي إلى ساحة صراع مفتوح.

من السوابق التاريخية وحدود القياس

يستدعى البعض اعتقال مانويل نورييغا أو محاكمة صدام حسين لتبرير ما حدث. غير أن هذه المقارنات مضللة قانونا. نورييغا لم يكن رئيسا معترفا به دوليا وقت اعتقاله، وصدام حسين حوكم بعد سقوط النظام واحتلال الدولة، وأمام محكمة محلية. لم يشهد التاريخ الحديث اختطاف رئيس دولة قائم ومعترف به دوليا ونقله لمحاكمته أمام قضاء دولة أخرى. هنا تكمن خطورة السابقة.

عندما يقوم الاقتصاد السياسي بفرض القانون، لا يمكن فصل القانون عن المصالح الاقتصادية. فنزويلا تمتلك واحدا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وعلاقتها المتوترة مع واشنطن عطلت مصالح شركات النفط الأمريكية الكبرى، إعادة تشكيل المشهد السياسي والقانوني في فنزويلا يفتح الباب لإعادة هيكلة قطاع النفط، وإعادة دمجه في السوق الأمريكية، وتقليص نفوذ منافسين دوليين، تحديداً الصين وروسيا.

في هذا السياق، يصبح القانون أداة تمهيدية لإعادة توزيع المصالح، لا إطارا محايدا لتحقيق العدالة.

في المواثيق والأعراف الدولية ما يجري يعني عمليا تآكل مبدأ السيادة المتساوية، وإضعاف دور القضاء الدولي، وتحويل الحصانة من قاعدة وقائية إلى امتياز انتقائي. الأخطر أن النظام الدولي ينتقل من حكم القواعد إلى حكم السوابق القسرية، حيث يصبح الفعل، لا النص، هو المرجع.

إذا ترسخ هذا المسار، فلن يكون السؤال مستقبلا عن شرعية اعتقال هذا الزعيم أو ذاك، بل عن جدوى النظام الدولي ذاته.

الخلاصة أن اعتقال مادورو وطلب توقيف نتنياهو ليسا حدثين منفصلين، بل اختبارا وجوديا للنظام الدولي. الأول يكشف هشاشة الحصانة والسيادة أمام القوة، والثاني يختبر قدرة القضاء الدولي على الصمود أمام السياسة. بينهما، يقف العالم أمام مفترق طرق، إما استعادة منطق القواعد، أو القبول بعالم تحكمه الانتقائية، حيث العدالة امتيازا، والسيادة مؤقتة، والقانون أداة بيد الأقوى.

ومن التاريخ تعلمنا أن كسر القواعد قد يخدم لحظة سياسية، لكنه يدمر النظام الذي يحمي الجميع. والسؤال الحقيقي اليوم لم يعد عن مادورو أو نتنياهو، بل عن مستقبل القانون الدولي نفسه.