نشر بتاريخ: 2025/12/24 ( آخر تحديث: 2025/12/24 الساعة: 12:08 )
بقلم: شريف الهركلي

امتياز وشهادة حمراء من موسكو… رسالة ماجستير تضيء طريق غزة نحو الطاقة البديلة

نشر بتاريخ: 2025/12/24 (آخر تحديث: 2025/12/24 الساعة: 12:08)

الكوفية موسكو – في إنجاز أكاديمي يتجاوز حدود الشهادة ليحمل دلالات علمية ووطنية عميقة، نال الباحث الفلسطيني يزن محمد عطية درجة الماجستير في الطاقة المتجددة من معهد موسكو للطاقة، أحد أعرق الجامعات التقنية في روسيا، عقب مناقشة رسالته العلمية بنجاح، وحصوله على تقدير امتياز والشهادة الحمراء، وهي أعلى درجات التفوق في النظام الأكاديمي الروسي.

وجاءت رسالة الماجستير بعنوان:

“دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية لمحطة طاقة شمسية متصلة بالشبكة في فلسطين (غزة)”،

بإشراف البروفيسور بيوتر سيرجيفيتش شوركالوف، حيث تناولت الدراسة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الواقع الفلسطيني، والمتمثلة في أزمة الطاقة المزمنة التي يعاني منها قطاع غزة، مع تقديم حلول علمية واقعية قابلة للتطبيق.

أزمة كهرباء منهجية… وحاجة ملحّة للحلول البديلة

وأظهرت الدراسة أن قطاع غزة يرزح تحت أزمة هيكلية حادة في إمدادات الكهرباء، ناجمة عن تآكل البنية التحتية بنسبة تُقدّر بنحو 70٪، إلى جانب الحصار المستمر، والاعتماد شبه الكامل على مولدات الديزل. ويصل متوسط انقطاع التيار الكهربائي اليومي إلى نحو 16 ساعة، ما ينعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، ويثقل كاهل القطاعات الصحية والاقتصادية والخدمية.

وبيّنت النتائج أن أكثر من 90٪ من الكهرباء المنتجة في غزة تعتمد على وقود مستورد مرتفع التكلفة، الأمر الذي يجعل المنظومة الكهربائية شديدة الهشاشة، وعرضة للصدمات السياسية والاقتصادية، ويعمّق حالة عدم الاستقرار المزمن.

الشمس… ثروة مهملة في سماء غزة

في المقابل، كشفت الدراسة عن كنزٍ طبيعي غير مستثمر يتمثل في الطاقة الشمسية، حيث يبلغ متوسط الإشعاع الشمسي السنوي في قطاع غزة ما بين 5.5 و6 كيلوواط ساعة/م² يوميًا، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة، ما يجعل الطاقة الشمسية خيارًا استراتيجيًا، لا ترفًا تقنيًا مؤجلًا.

وأثبتت الحسابات الفنية أن محطة طاقة شمسية بقدرة 3.2 ميجاواط قادرة على إنتاج نحو 5,960 ميجاواط ساعة سنويًا، وهو ما يكفي لتغطية احتياجات قرابة 1800 أسرة فلسطينية، مع تقليل ملموس للاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

نتائج فنية واقتصادية مشجعة

وحددت الدراسة مكونات المحطة المقترحة بدقة علمية عالية، حيث تضم:

4845 لوحًا شمسيًا أحادي البلورية من نوع VE 660، بكفاءة تصل إلى 22٪.

3 عاكسات ثلاثية الطور ذكية بقدرة إجمالية 3.3 ميجاواط، وبكفاءة تشغيلية تبلغ 98.7٪، وقادرة على التكيّف مع عدم استقرار الشبكة الكهربائية.

وقدّرت الدراسة حجم الاستثمارات الأولية بنحو 115.5 مليون روبل، مع فترة استرداد لا تتجاوز خمس سنوات، وتوفير سنوي في استيراد الوقود يُقدّر بحوالي 58.3 مليون روبل، فضلًا عن خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 5000 طن سنويًا، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة.

أبعاد بيئية واجتماعية ووطنية

وأكد البحث أن الطاقة الشمسية قادرة على تغطية ما يصل إلى 40٪ من العجز الحالي في الكهرباء، وتقليص الاعتماد على مولدات الديزل، وتحسين موثوقية الشبكة، إلى جانب دورها في تحسين جودة حياة السكان، والتخفيف من الأعباء البيئية والصحية المتراكمة.

ما بعد الحرب… دعوة للقيادة الفلسطينية

ولا تقف أهمية هذه الرسالة عند حدود التفوق الأكاديمي، بل تتجاوزها إلى رسالة وطنية صريحة، مفادها أن فلسطين، وفي القلب منها غزة، تمتلك عقولًا علمية قادرة على تقديم حلول عملية لأزماتها المزمنة إذا ما أُحسن استثمارها.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة، بعد انتهاء الحرب، إلى أن تتبنى القيادة الفلسطينية نهجًا استراتيجيًا يقوم على:

إنشاء مركز وطني لدراسات وأبحاث الطاقة والتنمية.

ربط بحوث الدراسات العليا بخطط الإعمار وإعادة البناء.

تحويل التوصيات العلمية إلى مشاريع تنفيذية على أرض الواقع.

الاستثمار في الكفاءات الفلسطينية بدل ترك أبحاثها حبيسة الأدراج، أو على أرفف النسيان لتلتهمها غبار السنين.

إن ما قدّمه الباحث يزن محمد عطية ليس مجرد رسالة ماجستير، بل خارطة طريق علمية يمكن البناء عليها لإنقاذ قطاع غزة من أزمته الطاقية، متى توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الوطنية، والإيمان الحقيقي بقيمة العلم.